رسالة الملك عبدالله الى جلوب باشا – حسين توقه

تاريخ النشر على الموقع 15/01/2015

الجزء الأول 5-1-2015

” عزيزي جلوب باشا:
إن أهمية القدس في أعين العرب ، مسلمين ومسيحيين معروفة جيدا ، وأي كارثة تحل بعرب القدس على يد اليهود – سواء بالقتال أو الطرد من منازلهم – سيكون لها آثار سلبية بالغة علينا ، إن الحالة لا تدعو لليأس ولذلك فكل شيء بين أيدينا اليوم يجب أن نحافظ عليه – القدس القديمة والطريق إلى أريحا – ويمكن إنجاز ذلك بإستخدام الإحتياط المتواجد في منطقة رام الله أو بإرسال قوة من الإحتياط العام أطلب منك تنفيذ هذا الأمر بالسرعة الممكنة
18 أيار 1948 التوقيع عبد الله ”

في تمام الساعة 11:30 يوم 17 أيار 1948 تسلم جلوب باشا وهو في قيادة الفرقة في بيتين الواقعة جنوب شرق رام الله برقية عاجلة من عمان ” يأمر جلالة الملك عبد الله بالتقدم من رام الله إلى القدس ”

وفي تمام الساعة 12:00 يوم 17 أيار 1948 تسلم جلوب باشا برقية ثانية تقول ” إن جلالة الملك قلق للغاية ويصر على إرسال قوة مسندة بالمدفعية لمهاجمة الحي اليهودي في القدس . جلالته ينتظر عملا سريعا . أبلغونا بسرعة عن بدء العمليات ”

كانت قوة الجيش العربي تعسكر في الزرقاء بتاريخ 13 أيار 1948 وفي اليوم التالي تحركت القوة إلى قاعدة أمامية قرب الشونة الجنوبية حيث التقى بهم جلالة الملك عبد الله وخطب فيهم وحثهم على الدفاع عن فلسطين . وفي فجر 15 أيار 1948 وبناء على طلب عرب فلسطين العاجل اجتازت قوة الجيش العربي جسر اللنبي ( جسر الملك حسين ) إلى داخل فلسطين .
وقبل الدخول في تفاصيل معركة القدس وأبعاد رسالة الملك عبد الله إبن الحسين إلى جلوب باشا والذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب قائد الجيش العربي لا بد لنا وأن نستعرض التاريخ والجغرافية السياسية والعسكرية للجانبين العربي واليهودي حتى ندرك كيف تمكن أبطال الجيش العربي من المحافظة على عروبة القدس والضفة الغربية .

لقد كان عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سويسرا عام 1897 بمشاركة كافة ممثلي الجاليات اليهودية في العالم من أجل إنشاء وطن قومي لليهود هو البذرة الأولى في تاريخ إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين حيث تم تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هيرتزل بالإضافة إلى تشكيل ” الوكالة اليهودية ” لتنفيذ قرارات المؤتمر وتم تأسيس صندوق الإئتمان اليهودي من أجل جمع المال لشراء الأراضي وإقامة المستعمرات لليهود في فلسطين وتمويل عمليات تهجير وتوطين وتسليح اليهود من شتى بقاع الأرض .

في عام 1901 التقى ثيودور هيرتزل مع السلطان عبد الحميد الثاني والتمس منه السماح لليهود بإقامة مستعمرات زراعية في فلسطين إلا أن السلطان عبد الحميد الثاني الذي كانت فلسطين إحدى ولاياته لم يقبل الدخول في مباحثات مع هيرتزل ” وبالرغم من تضارب الأنباء بشأن المباحثات وما صاحبها من إشاعات مغرضة تفيد أن السلطان عبد الحميد قد التقى بثيودور هيرتزل خمسة لقاءات كان أولها عام 1896 وأن تعداد اليهود منذ عام 1876 حتى عام 1909 أي إبان حكم السلطان عبد الحميد الثاني قد تضاعف ثلاث مرات وأن إمتلاكهم للأراضي قد تضاعف أربعة أضعاف ” .

إن ما يهمنا هنا أن هيرتزل قد أبلغ المؤتمر الصهيوني الخامس عن إعتقاده بأن الأمور ستسوى مع السلطان عبد الحميد إذا وجد بين يديه مالا يقدمه للسلطان من أجل السماح له بإقامة المستعمرات الزراعية في فلسطين ولقد تم جمع مبلغ مليوني جنيه إنجليزي تم تسليمها إلى هيرتزل الذي عاد لمقابلة السلطان عبد الحميد وتفيد المراجع التاريخية بأن السلطان عبد الحميد الثاني قام بطرد ثيودور هيرتزل من قصره بعد أن عرض عليه مبلغ المليوني جنيه ولم يلتق الإثنان بعدها .

إلا أن أخطر القرارات التي صدرت في دعم إستيطان اليهود في قلب فلسطين قد وردت في وثيقة كامبل السرية نسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا هنري كامبل بنرمان زعيم حزب المحافظين البريطاني الذي دعا كلا من فرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا عام 1905 إلى عقد مؤتمر سري بحضور ديفيد ولفسون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية الذي خلف ثيودور هيرتزل . واستمرت مناقشات المؤتمر لمدة عامين وتم التوصل في نهاية المؤتمر إلى العديد من المقررات والتوصيات كان من أهمها إقامة دولة يهودية في فلسطين والسيطرة على المنطقة العربية الممتدة من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي والإبقاء على شعوب هذه المنطقة العرب المسلمين مفككة ومتأخرة والسيطرة على ثرواتها لا سيما بعد إكتشاف النفط بالإضافة إلى السيطرة على المواقع الإستراتيجية الهامة المتمثلة بمضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس . ولقد نجم عن ( مخطط كامبل ) كل من إتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917 ومؤتمر فرساي عام 1919 ومؤتمر سان ريمو عام 1920 ومؤتمر سيفر عام 1920 ومؤتمر سان ريمو عام 1923 وتم تتويج هذا المخطط بقرار الأمم المتحدة الظالم رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وإلغاء السيادة العربية على القدس وتبعه بتاريخ 15/5/1948 وثيقة إعلان دولة إسرائيل وبتاريخ 11/5/1949 تبوأت إسرائيل مقعدها في الأمم المتحدة بصفتها العضو 59 في المنظمة الدولية .

وإننا في بحثنا هذا سوف نركز على الدور البريطاني الذي ساهم في إيجاد مقومات ودعم مكونات دولة يهودية في قلب العالم العربي في فلسطين العربية عن طريق دعم كل من المستعمرات اليهودية ودعم المنظمات اليهودية المسلحة وتدريبها وتسليحها بدءا بمنظمة هاشومير والفيلق اليهودي والهاغاناه الذراع العسكرية للمنظمة الصهيونية العالمية والأرغون وشيرن والبلماخ وإنتهاء بتأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي .

إن ما يهمنا هنا من خلال الإستعراض السريع للمنظمات اليهودية العسكرية أن ندرك بأن مجموع هذه القوات التي شُكلت أثناء الحرب العالمية الثانية قد بلغ في عام 1945 أكثر من 50 ألف فرد بالإضافة إلى المتطوعين اليهود في الجيش البريطاني والذين بلغ تعدادهم 23 ألف فرد ليصل عدد اليهود المدربين من ذوي الخبرة العسكرية والقتالية إلى 73 ألف فرد .
ولكي نوضح مقدار التفاوت في التسليح والتنظيم والعدد والعدة فإننا نعرض لكم مقارنة بسيطة بين تعداد الجيوش العربية التي خاضت حرب 1948 بعد إعلان بريطانيا إنتها الإنتداب في فلسطين في منتصف ليلة 14/15 /5/1948

حيث قامت مصر والسعودية والسودان واليمن بتجهيز ثلاث كتائب يبلغ تعداد أفرادها 5 آلاف مقاتل وقامت المملكة الأردنية بتجهيز ثلاث كتائب يبلغ تعداد أفرادها 4550 مقاتل وقامت العراق بتجهيز 4 كتائب يبلغ تعداد أفرادها 2500 مقاتل وقامت سوريا بتجهيز كتيبتين يبلغ تعداد أفرادها 1876 مقاتل كما قامت لبنان بتجهيز كتيبة واحدة يبلغ تعداد أفرادها ألف مقاتل أي أن إجمالي عدد المقاتلين من الدول العربية كان 14926 مقاتل .

يقابلهم على الجانب اليهودي قوات عسكرية جيدة التسليح من الهاغاناه وحرس المستعمرات يبلغ تعدادهم 40 ألف فرد وجيش ميداني مدرب على العمليات العسكرية وله قدرة كبيرة على الحركة يبلغ تعدادهم 16 ألف فرد وقوة ضاربة خفيفة الحركة عالية التدريب من البلماخ يبلغ تعدادهم 6 آلاف فرد وقوة من الأرغون وشتيرن ونيل يبلغ تعدادهم 5 آلاف فرد أي أن إجمالي المقاتلين اليهود هو 67000 فرد .

كان الوطن العربي يمر بحركات تحررية للتخلص من الإحتلال البريطاني والفرنسي في نهاية الحرب العالمية الثانية وكانت الدول العربية المستقلة حديثة العهد بالإستقلال لا زالت خاضعة ومقيدة بإرتباطات أجنبية أو معاهدات عسكرية تحد من تطلعاتها في الحرية الكاملة فمصر والعراق كانتا مرتبطتين بمعاهدات مع بريطانيا تتيح للقوات البريطانية الإقامة في البلدين وكان الجيش الأردني بريطاني القيادة وكانت القوات الفرنسية تقاوم بكل عنف الصرخات المطالبة بجلائها عن الأراضي السورية واللبنانية . وكانت السعودية واليمن تفتقران إلى أنظمة دفاعية . في ذلك الوقت كانت بريطانيا بعد أن أنهت تدريب المنظمات اليهودية وتأكدت من قوة هذه المنظمات ومقدرتها على الدفاع عن الأراضي والمستعمرات التي سلبتها من الفلسطينيين وأن أي مقارنة بين موازين القوى في الجانب العربي والجانب اليهودي تصب في صالح اليهود .

المستعمرات اليهودية إستراتيجية الإحتلال :

لقد اعتبر بناء المستعمرات اليهودية إنعكاسا للعقيدة الصهيونية التي تهدف إلى غرس اليهودي المهاجر في الأرض الفلسطينية بقوة السلاح وتثبيت وجوده . ونحن في استعراضنا السريع لهذه المستوطنت فإننا سوف نستعرض بعض البدايات التي تمت في القرن التاسع عشر حيث يرجع تاريخ أول محاولة استيطانية لليهود لعام 1859 عندما أقيم أول حي يهودي خارج سور القدس وسمي آنذاك باسم ( يمين موشي ) نسبة إلى اليهودي البريطاني ( موشي مونت فيوري ) الذي حصل على فرمان عثماني سنة 1855 بشراء الأرض وإقامة مستشفى عليها وفي عام 1859 تم تحويل المنطقة إلى مساكن شعبية لليهود وأصبحت نواة الحي اليهودي في القدس خارج سور البلدة القديمة . وبالرغم من قيام الحكومة العثمانية بإصدار قانون للحد من الهجرة اليهودية إلا أنها خففت تنفيذ هذا القانون تحت ضغوط كل من بريطانيا وفرنسا حيث شهدت فلسطين عددا من الهجرات اليهودية كانت الأولى منها على دفعتين الدفعة الأولى بين سنة 1882 وسنة 1884 وقام بتمويل هذه الدفعة الكولونيل جورج جاولر حاكم أستراليا السابق والسير لورنس أوليفانت وكانت الدفعة الثانية بين سنة 1886 وسنة 1890 والتي أمنت السلطات الإستعمارية البريطانية غطاء يهوديا لتمويل نقل المهاجرين إلى فلسطين وتوطينهم عن طريق البارون إدموند دي روتشيلد . وتبعتها الهجرة الثانية بين عام 1905 حتى عام 1918 تحت إشراف المنظمة الصهيونية العالمية . ومنذ إنشاء مستعمرة بتاح تكفيا وتعني بالعربية ” فتحة الأمل ” عام 1878 والتي تم استيطانها من قبل المجموعات اليهودية من المهاجرين عام 1881 شرق يافا كبلدة زراعية اشتراها اليهود من سكان قرية ملبس العربية وهي تعتبر بداية التاريخ الرسمي للإستيطان اليهودي في فلسطين تبعها إنشاء مستوطنات جديدة من قبل يهود أوروبا الشرقية بين عامي 1882 و1884 ولقد اشتهرت الكثير من المستعمرات مثل مستعمرة ( داجنيا ) والتي كانت تعرف بإسم أم جوني وباتت المستعمرات اليهودية تشكل موطىء القدم لإحتلال الأرض واستثمارها في تأمين وتدريب وتجهيز المهاجرين الجدد إلى فلسطين ومدهم بالسلاح . وأخذ شعار المحراث والسيف يمثل توجهات الصهيونية العالمية في بناء المستعمرات الجماعية والتي أطلق عليها بن غوريون ” البناؤون المقاتلون ” بحيث يكون سكان هذه المستوطنات اليهودية بمثابة مستعمرات من المقاتلين والبنائين في نفس الوقت بحيث يستولون على المواقع الحيوية ذات الأهمية الإستراتيجية ويحيلونها إلى قلاع وحصون ويمنعون أي تواجد غير يهودي فيها ويقاطعون اليد العاملة العربية ويعمدون إلى إغتصاب الأرض العربية وفق مخططات استراتيجية في بداية القرن العشرين تجعل إنشاء المستعمرات وخلق قوة عسكرية قادرة للدفاع عنها عملين متلازمين يمثلان الخطوة الأولى في تطلعات السياسة الصهيونية العالمية في ضم الأرض وبناء المستوطنات وخلق مجتمع صهيوني مسلح وتعميم نظام القوة المسلحة بين المستوطنات وتحولت مستعمرة “الشجرة” في الجليل إلى أول مستوطنة ذات قوة عسكرية مسلحة لا تكتفي بالدفاع عن المستعمرة فحسب بل قادرة على شن هجمات عسكرية وممارسة العنف ضد السكان العرب والعمل على ترويعهم تحت شعارات براقة مثل شعار النضال والكفاح وهو نفس الأسلوب الذي تمارسه إسرائيل اليوم في الضفة الغربية حيث خلقت بعدا ديمغرافيا أتاح المجال لإستيطان يتزايد يوما بعد يوم حتى شارف عدد المستوطنين اليهود على 700 ألف مستوطن مدججين بأسلحتهم الفردية كما أن إختيار مواقع هذه المستوطنات الإستراتيجية هو النقطة الأولى في السيطرة على كل المدن الفلسطينية الرئيسة وعلى الطرق الرئيسة والفرعية التي تربطها بالقرى الفلسطينية المجاورة وتمنحهم القدرة العسكرية على تقطيع أوصال هذه القرى والمدن ومنع تواصلها . فإسرائيل وبكل أسف تسيطر على الأرض العربية في الضفة الغربية وإن مشكلتها الآن هو التخلص من السكان الأصليين الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين وبناء على قرار التقسيم لعام 1947 تم تحقيق إنشاء الدولة اليهودية ولم يتم حتى هذه اللحظة إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة .


الجزء الثاني 9-1-2015

” عزيزي جلوب باشا:
إن أهمية القدس في أعين العرب ، مسلمين ومسيحيين معروفة جيدا ، وأي كارثة تحل بعرب القدس على يد اليهود – سواء بالقتال أو الطرد من منازلهم – سيكون لها آثار سلبية بالغة علينا ، إن الحالة لا تدعو لليأس ولذلك فكل شيء بين أيدينا اليوم يجب أن نحافظ عليه – القدس القديمة والطريق إلى أريحا – ويمكن إنجاز ذلك بإستخدام الإحتياط المتواجد في منطقة رام الله أو بإرسال قوة من الإحتياط العام أطلب منك تنفيذ هذا الأمر بالسرعة الممكنة
18 أيار 1948 التوقيع عبد الله ”

تاريخ نشأة وتطوير المنظمات اليهودية المسلحة في فلسطين حتى تاريخ 15 أيار 1948:

هاشومير :
وتعني بالعربية ( الحارس ) وهي من أوائل المنظمات الصهيونية المتخصصة بأعمال الدفاع وحراسة المستعمرات بأعمال الدفاع وحراسة المستعمرات . أسستها في عام 1909 مجموعة من المهاجرين اليهود من أعضاء الجمعية اليهودية السرية التي أوجدها اسحق بن زفي وإسرائيل شوحط . ولقد عنيت هاشومير بأعمال الحراسة ثم تحولت إلى قوة محاربة منظمة تتولى الدفاع عن المستعمرات الصهيونية في الجليل ومن ثم الدفاع وحراسة كل المستوطنات اليهودية في مختلف أنحاء فلسطين كما أنها قامت ببناء بعض المستعمرات اليهودية وكانت مرحابيا أول مستعمرة تقيمها هاشومير في غور بيسان وأتبعتها بمستعمرة ” تل حدشيم ” ومستعمرة ” كفار جلعاجي ” وواصلت هاشومير حراسة المستوطنات اليهودية ضد العرب والبريطانيين وشاركت في صد هجمات العرب على المستعمرات الصهيونية في القدس وتل حاي في الجليل .

وفي بداية العشرينات أصبحت الحاجة ملحة إلى تأسيس قوة صهيونية محاربة كبيرة وموحدة وتم الإعلان عن تأسيس ( الهاغاناه ) وقررت هاشومير حل نفسها لمنح أعضائها فرصة الإنضمام إلى الهاغاناه إلا أن عددا قليلا من أعضائها المتطرفين رفضوا الإنضمام إلى الهاغاناه وأسسوا مجموعة ” كتائب العمل ” حتى أحداث عام 1929 الدامية فاضطروا إلى الإنضمام إلى الهاغاناه .

الفيلق اليهودي :

هو عبارة عن تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين انضموا إلى القوات البريطانية وقوات الحلفاء تنفيذا لرغبة قيادات الحركة الصهيونية ومخططاتها في مساعدة القوات البريطانية من أجل الحصول على دعم بريطانيا في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وتمكين المتطوعين اليهود من إكتساب المهارات القتالية والحربية .

ولقد تزعم فلاديمير جابوتنسكي المطالبة بإنشاء قوة عسكرية يهودية من أجل الإستيلاء على فلسطين وتحريرها من الإحتلال التركي ولقد أثار هذا الطلب في بداية الأمر غضب زعماء آخرين أمثال وايزمان وبن غوريون الذين كانوا يفضلون العمل بصمت وفي الخفاء وفق مخططات وتوجيهات المنظمة الصهيونية العالمية . ولقد استجابت القيادة البريطانية في مصر لهذه المطالب وعملت على تشكيل كتيبة يهودية لنقل المعدات والتجهيزات الحربية بواسطة البغال والمشاركة في حملة غاليبولي ” وهي الحملة المشتركة بين بريطانيا وفرنسا وأوستراليا ونيوزيلندا من أجل إحتلال إسطنبول ومن ثم الدخول إلى الجزء الشمالي الشرقي من تركيا لمساندة روسيا ضد القوات الألمانية بعد أن تكبدت القوات الروسية خسائر كبيرة أمام الجيش الألماني. ولقد باءت هذه المعركة بالفشل ومنيت بريطانيا وفرنسا بهزيمة كبيرة أمام القوات التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ” . وتم تشكيل كتيبة النقل بالبغال اليهودية عام 1915 في منطقة برج العرب في مصر من 8000 آلاف يهودي من فلسطين وتم حل هذه الكتيبة عام 1916 وبعد عودة حملة غاليبولي منهزمة تم إختيار 120 فردا من هذه الكتيبة لإرسالهم إلى لندن ليكونوا نواة تشكيل كتيبة يهودية هي الكتيبة ” 38″ والتي أطلق عليها حملة البنادق الملكية وتولى قيادتها الضابط البريطاني جون باترسون وقد تلقت تدريباتها في بريطانيا ومصر ثم توجهت إلى فلسطين .

وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب وافقت على تشكيل كتيبة من اليهود الأمريكيين ومن اليهود المتطوعين من الأرجنتين وكندا بإسم الكتيبة “39 ” وتم نقل قسم منها عام 1918 م إلى مصر وشرق الأردن حيث شنت هجوما على مدينة السلط في ذلك الوقت ولكن القسم الأكبر تم نقله إلى فلسطين بعد أن وصلت الحرب العالمية الأولى إلى نهايتها
وفي عام 1918 تم تشكيل الكتيبة 40 بناء على إقتراح قائد الفرقة الأسكتلندية في فلسطين الذي دعا إلى تجنيد اليهود في المناطق التي احتلتها القوات البريطانية ولقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في التل الكبير ولم تشارك في الهجوم على شمال فلسطين .

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت تتمركز على أرض فلسطين ثلاث كتائب يهودية . وبعد أن ترسخت دعائم الإحتلال البريطاني في فلسطين بدأت الحكومة البريطانية بتسريح الكتيبتين 38 و39 . وفي عام 1921 تم حل هاتين الكتيبتين نهائيا وانضم كثير من مجنديها إلى الهاغاناه . كما انضم بعض اليهود الأمريكيين إلى الكتيبة 40 لرغبتهم في البقاء في فلسطين حيث وُضعت الكتيبة تحت قيادة العقيد اليهودي مرجولين ورفعت علم درع داوود الأبيض والأزرق واتخذت طابعا يهوديا بحتا وأُطلق عليها الجيش الأول ليهودا . ولقد اعترض العرب على بقاء الكتيبة 40 في فلسطين نتيجة أعمالها الإستفزازية ضد العرب ووقعت بعض الإشتباكات العنيفة مع العرب مما اضطر إلى نقلها من حيفا إلى رفح وفي عام 1930 صدر أمر بتسريح هذه الكتيبة

الهاغاناه :

وهي تعني بالعربية ( الدفاع ) ولقد تأسست في عام 1921 في مدينة القدس وهي عبارة عن تكتل عسكري يهدف إلى الدفاع عن أرواح وممتلكات المستوطنات اليهودية في فلسطين خارج نطاق الإنتداب البريطاني . وهي تمثل الذراع العسكرية للمنظمة الصهيونية العالمية ولقد بقيت في السنوات التسع الأولى منظمة شبه مدنية بقيادة يسرائيل جليلي . وما أن اندلعت الثورة العربية عام 1929 والتي خلفت 133 قتيلا يهوديا برز دور الهاغاناه وانضم إليها آلاف الشبان اليهود وقامت بإستيراد السلاح الأجنبي وإنشاء ورش التدريب لتصنيع القنابل اليدوية والمعدات العسكرية الخفيفة وتحولت إلى ما يشبه الجيش النظامي كما حظيت بمساعدة بريطانية مباشرة في تدريب قواتها من ضباط بريطانيين في سلطة الإنتداب مثل ” أورد وينجت ” الذي كان يسمى من قبل الهاغاناه بالصديق ولقد ساهم في تدريبهم على نصب الكمائن المتنقلة ضد نشاط الثوار العرب كما ساهم في حماية أنبوب النفط القادم من العراق إلى حيفا ونصب كمائن للثوار الذين كانوا يستهدفون أنبوب النفط وتم تأسيس وحدات ليلية خاصة . وبحلول عام 1936 أصبح تعداد الهاغاناه 10 آلاف مقاتل و40 ألف من الإحتياط وخلال ثورة 1936 -1939 تولت الهاغاناه مهمة حماية المصالح البريطانية واليهودية في فلسطين ومقاومة الثوار الفلسطينيين وبالرغم من عدم إعتراف الحكومة البريطانية بالهاغاناه إلا أن القوات البريطانية كانت تتعاون وبشكل كبير معها .
في عام 1937 قام اليمين المتطرف في منظمة الهاغاناه بالإنشقاق عن الهاجاناه وتأسيس ” منظمة الأرغون ” .

وبين عام 1936 وعام 1939 قامت الحكومة البريطانية بتقييد الهجرة اليهودية الى فلسطين مما دفع الهاغاناه إلى تنظيم هجرات يهودية سرية غير مشروعة إلى فلسطين وتنظيم مظاهرات مناهضة للحكومة البريطانية

في عام 1939 أعلن رئيس مجلس إدارة ” الوكالة اليهودية ” ديفيد بن غوريون دعمه التام للحكومة البريطانية وعزمه القتال ضد أدولف هتلر وتم تحقيق التعاون بين منظمة الهاغاناه والقوات البريطانية

وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية قامت الهاغاناه بشن حملات معادية للقوات البريطانية في فلسطين فقامت بتحرير المهاجرين اليهود الذين احتجزتهم القوات البريطانية في معسكر”عتليت” وقامت بنسف السكك الحديدية بالمتفجرات ونفذت هجمات ضد مواقع الرادار ومراكز الشرطة في فلسطين والإستمرار في تنظيم عمليات الهجرة اليهودية الغير مشروعة إلى فلسطين
وفي هذه المرحلة أعيد تنظيم الهاغاناه لتلائم توسيع مهامها وإتساع نطاق عملياتها العسكرية وتم تقسيمها إلى قسمين رئيسيين الأول هو قوات الميدان ويتكون من الرجال من فوق سن 25 سنة كما سمح بإنضمام عناصر نسائية للتمريض . وكان واجب قوات الميدان إحتلال المواقع الدفاعية في المستعمرات والدفاع عنها . أما القسم الثاني فهو قوات الدفاع ويتكون من الرجال من سن 18 إلى سن 25 كانت مهمتهم تنفيذ العمليات التعرضية ضمن المناطق

وبتاريخ28/5/1948 أعلنت الحكومة الإسرائيلية المؤقتة إنشاء ( جيش الدفاع الإسرائيلي ) الذي خلف الهاغاناه في الحفاظ والدفاع عن إسرائيل . وأعلنت الحكومة الإسرائيلية عن منع أي من التشكيلات القتالية اليهودية وعدم قانونيتها بإستثناء جيش الدفاع الإسرائيلي إلا أن منظمة الأرغون لم تعبأ بقرار الحكومة المؤقتة مما أدى إلى وقوع مناوشات وقاومت الهاغاناه لفترة وجيزة وفي النهاية تخلت الأرغون عن أسلحتها وأعلن رئيسها مناحيم بيغن تشكيل حزب سياسي هو حزب حيروت بدلا من الأرغون .

الأرغون :

وتعني باللغة العبرية ( المنظمة العسكرية القومية ) وهي تكتل عسكري وصف بالإرهاب من قبل السلطات الإنجليزية في الفترة السابقة لإعلان دولة إسرائيل . وكان شعارها يتكون من خريطة فلسطين والأردن وعليها صورة بندقية كتب عليها ( هكذا وحسب )

ولقد انشقت منظمة الأرغون عن الجناح العسكري لمنظمة الهاغاناه على يد ” أبراهام تيهومي ” احتجاجا على القيود البريطانية المفروضة على الهاغاناه في تعاملها مع الثوار الفلسطينيين وكانت تريد تصعيد هجماتها على الفلسطينيين . ولقد تلقت الأرغون دعما من بولندا إبتداء من عام 1936 حيث كانت بولندا تشجع الهجرة اليهودية البولندية لأن اليهود في بولندا كانوا من أفقر طبقات المجتمع وكان من مصلحة بولندا تهجير اليهود إلى فلسطين ولقد قامت بولندا بتقديم العتاد والأسلحة وتدريب الأرغون على العمليات العسكرية

ولقد شنت منظمة الأرغون اعتبارا من آذار 1937 أكثر من 41 هجمة إرهابية ضد الفلسطينيين من بينها تفجير فندق الملك داوود في القدس بتاريخ 22/7/1946 وكان أكثرهذه الهجمات دموية مشاركتها مع منظمة شتيرن بتاريخ 9/4/1948 بإرتكاب مذبحة دير ياسين والتي أسفرت عن قتل 360 شهيد فلسطيني .

وفي عام 1943 تولى مناحيم بيغن قيادة منظمة الأرغون حتى قامت الحكومة بحل كل المنظمات المسلحة والعمل على تشكيل جيش الدفاع الإسرائيلي وفي البداية وقعت بعض الإشتباكات بين الأرغون وبين الهاغاناه التي تحولت إلى نواة جيش الدفاع الإسرائيلي وبعدها أعلن مناحيم بيغن تشكيل حزب حيروت السياسي وحل منظمة الأرغون . ولقد تولى مناحيم بيغن رئاسة الحكومة الإسرائيلية وكان رئيس المفاوضات الإسرائيلي يقابله الرئيس محمد أنور السادات في الجانب المصري

شتيرن (ليحي ) :

ويعني اسمها بالعبرية ” المقاتلون من أجل حرية إسرائيل ” وهي منظمة إرهابية صهيونية أسسها البولندي أبراهام شتيرن وهي تعد من أشرس الميليشيات الصهيونية وأكثرها تطرفا . ولقد انشقت منظمة شتيرن عن الأرغون بعد موت السياسي اليهودي فلاديمير جابوتنسكي عام 1940 وقام إبراهام شتيرن بتأسيس مجموعة من المنشقين أطلق عليها ( المحاربون من أجل حرية إسرائيل ) من أجل تحقيق العمل المستقل خارج نطاق وتوجيهات المنظمة الصهيونية العالمية بل وبعيدا عن منظمة الهاغاناه الذراع العسكري للمنظمة الصهيونية العالمية.

وكانت منظمة شتيرن تنادي بمحاربة قوات الإنتداب البريطاني على فلسطين بالإضافة إلى الإستيلاء على الأرض الفلسطينية بالقوة العسكرية وتحقيق حلم إنشاء دولة إسرائيل بالتخلص من جميع الفلسطينيين وهي التي أطلقت شعار الحدود الجغرافية الإسرائيلية وأنها تمتد من الفرات شرقا إلى نهر النيل غربا. ودعت إلى وجوب إنشاء جيش يهودي يقوم على تحقيق هذا الحلم ولا يتم تحقيق مثل هذا الحلم إلا بجلاء قوات الإنتداب البريطاني عن أرض فلسطين وحل مشكلة السكان الغرباء ( أي السكان العرب في فلسطين ) عن طريق تبادل السكان .

ولقد لقي أبراهام شتيرن مصرعه عام 1942 على يد قوات الإنتداب البريطانية وقام أنصاره بالإنتقام لمصرعه عن طريق إغتيال اللورد موين الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط في القاهرة بتاريخ 6/11/1944 كما قامت بنسف المعسكرات العربية والبريطانية من بينها سرايا يافا في نوفمبر 1947 وقامت بالمشاركة مع منظمة الأرغون بإرتكاب مذبحة دير ياسين عام 1948 . وبالرغم من انضمام مقاتلي شتيرن إلى جيش الدفاع الإسرائيلي في مايو 1948 إلا أن تمردا قد حصل في صفوف الجيش في القدس من مقاتلي شتيرن وأطلقوا على أنفسهم اسم ” جبهة الوطن ” حيث قام المتمردون بإغتيال الكونت فولك برنادوت بتاريخ 17/9/1948 وهو من العائلة الملكية السويدية وكان أول وسيط دولي في تاريخ منظمة الأمم المتحدة حيث تم اختياره بتاريخ 20/5/1948 ليكون وسيطا بين العرب واليهود بعد اندلاع المواجهات في فلسطين نتيجة قرار تقسيم فلسطين حيث استطاع أن يحقق الهدنة الأولى في فلسطين بتاريخ 11/6/1948 وتمكن بعد مساع لدى الجانبين العربي والإسرائيلي من الحصول على موافقة الأطراف في إجراء مفاوضات رودس التي جرت نهاية عام 1948 ولقد تقدم الكونت برنادوت بعدة اقتراحات من أجل عملية السلام للأمم المتحدة بتاريخ 27/6/1948 كان أحد بنودها ينص على بقاء القدس بأكملها تحت السيادة العربية مع منح الطائفة اليهودية في القدس استقلالا ذاتيا في إدارة شؤونها الدينية وعارض ضم بعض الأراضي الفلسطينية للدولة اليهودية المقترحة في قرار التقسيم كما اقترح وضع حد للهجرة اليهودية وتم إلقاء القبض على منفذي العملية وسجنهم ومن ثم تم إطلاق سراحهم بعفو خاص .

ولقد صرفت الحكومة الإسرائيلية رواتب تقاعدية لمنتسبي منظمة شتيرن ومنحت بعض أفرادها أوسمة ” محاربين الدولة ” ومن الجدير بالذكر أن قائد عملياتها في أواخر الأربعينات اسحق شامير قد أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة الإسرائيلية .

البلماخ :

وتعني سرايا الصاعقة وهي تمثل القوة المتحركة الضاربة التابعة للهاغاناه التي تمثل الجيش غير الرسمي للمستوطنات اليهودية أثناء الإنتداب البريطاني على فلسطين . و نظرا لتطور أحداث الحرب العالمية الثانية لا سيما وأن القوات الألمانية كانت قد بدأت تشق طريقها من الغرب في صحاري شمال أفريقيا وقد اقتربت من الإسكندرية في مصر وأدركت الصهيونية العالمية أن هذا التهديد يمكن أن يطول الأراضي الفلسطينية فعمدوا إلى استغلال أنباء لقاء الحاج أمين الحسيني مع الزعيم الألماني أدولف هتلر عام 1941 واقتراحه بتشكيل جيش عربي إسلامي من المتطوعين لمقاتلة اليهود والحلفاء في فلسطين وشمال أفريقيا . فقد طالب اليهود وعلى رأسهم إسحق ساديه بضرورة إنشاء قوة نظامية مسلحة دائمة بعيدة عن فكر الهاغاناه الراكد والإنتقال إلى فكر عسكري ديناميكي مبتكر تمكن اليهود من بناء جيش مستديم في المستقبل . وبرزت فكرة إنشاء قوة عسكرية ضاربة للهاغاناه أطلق عليها إسم البلماخ و بتاريخ 15/5/1941 صادقت المنظمة الصهيونية على إنشائها وتم تحديد مهامها بالعمل ضد قوات العدو غير النظامية ( السكان العرب في فلسطين ) وإحتلال مناطق دفاعية وكسب الوقت لتعبئة قوات الميليشيا التابعة للهاغاناه بالإضافة إلى التعاون مع القوات البريطانية ضد القوات الألمانية التي كانت تهدد مصر في ذلك الوقت كما تم تكليفها بواجب المحافظة على أرواح أكبر عدد ممكن من اليهود في فلسطين . ولقد تبنت بريطانيا فكرة إنشاء هذه القوة لا سيما وأنها التزمت بالقانون الدولي حيث امتنع الجيش البريطاني تنفيذ أي عمليات خاصة ضد قوات فيشي الفرنسية في سوريا ولبنان لا سيما بعد أن احتلت ألمانيا فرنسا في مايو 1940 كما أن استيلاء رشيد الكيلاني على الحكم في العراق والذي كان مناصرا للألمان ولقد خشيت بريطانيا أن يتمكن الجيش الألماني من الوصول إلى المنطقة العربية وإلى فلسطين لا سيما وأن ارفين رومل مستمرا في حملته العسكرية في شمال إفريقيا متوجها إلى مصر .

في ظل هذه الأوضاع فلقد قام الجيش البريطاني بالموافقة على تدريب وتسليح قوة البلماخ وكلفتها بمهام عسكرية خلف خطوط العدو من استطلاع وعمليات تخريب وقطع خطوط المواصلات وشارك بعض العناصر في الحملة البريطانية ضد قوات فيشي الفرنسية في سوريا ولبنان وتم تكليفهم بتنفيذ عمليات خاصة مستقلة . ولقد تم تدريب قادة البلماخ على أساليب الفكر العسكري الإستراتيجي كما قامت بعقد دورات تدريبية عن الجيش الألماني تضمنت استراتيجياته وتكتيكاته بحيث أصبحت البلماخ قوة نظامية مدربة ومهيأة لخوض الحروب وبعد الهزيمة التي تعرض لها رومل في معركة العلمين الثانية التي تبعد 90 كيلو مترا عن الإسكندرية والتي امتدت من 23 أكتوبر لغاية 4 نوفمبر 1942 وكانت القوات الألمانية في بداية المعركة بقيادة غيورغ فون شاتوميه قائد قوات المحور ولكنه توفي في اليوم التالي بتاريخ 24 أكتوبر نتيجة أزمة قلبية وتولى القيادة بعده إرفين رومل وكانت القوات البريطانية بقيادة برنارد مونتغمري وتعتبر هذه المعركة من أهم معارك الدبابات على مدار التاريخ وبعد انتصار القوات الألمانية في معارك الصحراء برزت لديهم مشكلة النقص الكبير في الوقود بسبب قيام البريطانيين بإغراق حاملة النفط الإيطالية مما شل حركة تقدم الدبابات الألمانية وبالتالي استطاعت بريطانيا طردهم إلى ليبيا ومن كل إفريقيا وصولا إلى مالطة . وتبعت هذه الهزيمة هزيمة كبيرة للقوات الألمانية أمام القوات الروسية في ستالنجراد وفي عام 1943 توالت الهزائم للجيش الألماني في أوروبا الشرقية وقامت قوات الحلفاء بغزو إيطاليا وتمكنت القوات الأمريكية من تحقيق عدة إنتصارات في المحيط الهادىء بعد أن قامت اليابان بشن هجومها على القاعدة الأمريكية في ميناء بيرل هاربر مما اضطر الولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على اليابان والدخول بجانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وفي عام 1944 وصلت قوات الحلفاء إلى فرنسا وتمكن الإتحاد السوفياتي من استعادة كافة الأراضي التي استولى عليها الألمان واستمرت قواته في تقدمها حتى تمكنت من دخول برلين . وانتهت الحرب في أوروبا بإستسلام الألمان غير المشروط للحلفاء بتاريخ 8/5/1945 وتم عقد مؤتمر بوتسدام بتاريخ 26/6/1946 حيث تم استسلام ألمانيا رسميا إلى قوات الحلفاء .

وبتاريخ 6/8/1945 قامت الولايات المتحدة بإلقاء القنبلة النووية الأولى على هيروشيما وأتبعتها بتاريخ 9/8/1945 بإلقاء قنبلتها النووية الثانية على ناغازاكي وبعدها بستة أيام بتاريخ 15/8/1945 أعلنت اليابان عن استسلامها .

وبعد زوال الخطر الألماني في المنطقة العربية أراد البريطانيون تسريح العديد من قوات البلماخ وانتهجوا سياسة جديدة من أجل منع المهاجرين اليهود من الهجرة إلى فلسطين ولقد جوبهت هذه السياسة بتوحيد كل الحركات اليهودية تحت اسم حركة المقاومة العبرية وجاء في تعليمات بن جوريون إلى موشى سانا في أكتوبر 1945 ما يلي : ( علينا أن نتخذ إجراءات تخريبية وانتقامية ليس كإرهاب شخصي . ولكنه ضروري كإنتقام لكل من تم قتله على يد سلطات الكتاب الأبيض ( أي السلطات البريطانية ) ويجب أن تكون كل عملية تخريبية ذات ثقل وتأثير عميق . وعلينا أن نأخذ حذرنا بقدر الإمكان لمنع وقوع ضحايا بشرية ) وتم استبدال اسحق ساديه ب إيجال آلون كقائد للبلماخ وتم تكليف البلماخ بالعمل على مساعدة لاجئي يهود أوروبا حال وصولهم إلى شواطىء فلسطين بسفن غير شرعية ونقلهم إلى المستعمرات اليهودية

وبتاريخ 1/10/1947 تم إلقاء مسؤولية تأمين منطقة الجنوب بأكملها على البلماخ ونقل الإمدادات إلى النقب والجليل وتأمين خط المياه في النقب وإقامة قنوات إتصال مع المستوطنات المعزولة ومصاحبة قوافل الإمدادات إلى القدس . ولقد نمت البلماخ لتصبح عام 1948 مكونة من ثلاثة ألوية قتالية ووحدات جوية وبحرية واستخبارية ولقد تم قتل 1169 من البلماخ بين عام 1941 وعام 1949 ومن أشهر رجالاتها إيغال آلون وموشيه دايان وأسحق رابين الذي أصبح أحد رؤساء الحكومة الإسرائيلية قبيل إغتياله والذي تم التوقيع في زمن حكومته على معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية .
إن ما يهمنا هنا من هذا الإستعراض السريع للمنظمات اليهودية العسكرية أن مجموع هذه القوات التي شكلت أثناء الحرب العالمية الثانية 50 ألف فرد بالإضافة إلى المتطوعين اليهود في الجيش البريطاني والذي بلغ تعدادهم 23 ألف فرد ليصل عدد اليهود المدربين وذوي الخبرة العسكرية إلى 73 ألف فرد منهم حوالي 20 ألف فرد من قوات الميدان وحوالي 17 ألف من قوات الدفاع وحوالي 2500 فرد من البلماخ وحوالي 6000 من الشرطة اليهودية وحوالي 5000 من اللواء اليهودي تم تسليحهم وتدريبهم من قبل البريطانيين وبالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية .


رسالة الملك عبد الله إلى جلوب باشا / الجزء الثالث
26-1-2015

” عزيزي جلوب باشا:
إن أهمية القدس في أعين العرب ، مسلمين ومسيحيين معروفة جيدا ، وأي كارثة تحل بعرب القدس على يد اليهود – سواء بالقتال أو الطرد من منازلهم – سيكون لها آثار سلبية بالغة علينا ، إن الحالة لا تدعو لليأس ولذلك فكل شيء بين أيدينا اليوم يجب أن نحافظ عليه – القدس القديمة والطريق إلى أريحا – ويمكن إنجاز ذلك بإستخدام الإحتياط المتواجد في منطقة رام الله أو بإرسال قوة من الإحتياط العام أطلب منك تنفيذ هذا الأمر بالسرعة الممكنة
18 أيار 1948 التوقيع عبد الله ”

الثورات الفلسطينية في عهد الإنتداب:
قبل التحدث عن الثورات الفلسطينية التي سبقت معركة القدس عام 1948 وهي مدار بحث رسالة الملك عبد الله إلى جلوب باشا لا بد لنا من أن نقدم هذا الإيجاز للأوضاع الجيو سياسية التي سادت المنطقة العربية والأسباب التي أدت إلى إندلاع الثورة الفلسطينية الأولى وهي ثورة الإستقلال الأولى عام 1920 ثم نتدرج إلى بقية الثورات التي توالت وهي ثورة الإستقلال الثانية عام 1921 وثورة البراق عام 1929 وتداعيات المؤتمر الإسلامي الأول عام 1931 والثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 وثورة الريف 1937-1939 وما صاحب هذه الثورات من تضحيات ونضال من أبناء الشعب الفلسطيني ومساهمة وتضحيات الشخصيات العربية القومية المناضلة من الأردن وسوريا ومصر ولبنان وكافة الدول العربية التي كانت ترزح تحت نير الإستعمار البريطاني والإستعمار الفرنسي القاسيين والظالمين

مقدمة لا بد منها :
لقد بقيت ” وثيقة كامبل ” قيد السرية التامة بين كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا والمنظمة الصهيونية العالمية والتي أجمع من خلالها المجتمعون على إحتلال العالم العربي الممتد من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي وتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود وإبقاء هذا العالم العربي المسلم تحت نير الإستعمار والحفاظ على تخلفه وعدم السماح بنقل التكنولوجيا المتقدمة إلى أرجائه والعمل على استغلال ثرواته وفي مقدمتها النفط العربي والسيطرة على كافة الممرات الإستراتيجية متمثلة بمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق جبل طارق . وبعد إطلاق رصاصة الثورة العربية من بطاح مكة من أجل التحرر من الإستعمار التركي الذي جثم على صدر العرب طوال قرون طويلة قامت كل من بريطانيا وفرنسا بقلب المجن للثورة العربية الكبرى بعد أن تمكنوا من تحقيق النصر في الحرب العالمية الأولى وأخذت قرارت وثيقة كامبل تنفذ وتطبق على أرض الواقع والتي نجم عنها إتفاقية سايكس بيكو وهي نتيجة مفاوضات سرية بين كل من الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس جرت من خلال وزارة الخارجية البريطانية ووزارة الخارجية الفرنسية لمدة عامين بدءا من شهر نوفمبر عام 1915 وشهر مايو عام 1916 والتي تشكل تفاهما بين بريطانيا وفرنسا بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على إقتسام الهلال الخصيب وتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا حيث حصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي للهلال الخصيب سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق بينما امتدت السيطرة البريطانية من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج الفارسي ( الخليج العربي كما نحب أن نسميه ) والمنطقة الفرنسية في سوريا كما تقرر في البداية أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الإتفاق عليها بين بريطانيا وفرنسا وروسيا ونص الإتفاق على منح مينائي حيفا وعكا لبريطانيا والسماح لفرنسا باستخدام ميناء حيفا مقابل السماح لبريطانيا استخدام ميناء الإسكندرونة.

ولقد تم الكشف عن هذه الإتفاقية السرية حال استيلاء الشيوعيين على الحكم في روسيا عام 1917 مما أثار الشعوب العربية صاحبة الأرض وكانت ردة الفعل الرسمية والشعبية العربية الغاضبة قد ظهرت في مراسلات الشريف حسين ومكماهون .

وبتاريخ 2/11/1917 بدأت خيوط المؤامرة البريطانية الفرنسية والصهيونية تتضح من خلال وعد بلفور وهي الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل وولتر روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ولقد صدر الوعد قبل أن يحتل الجيش البريطاني فلسطين وكان تعداد اليهود لا يتجاوز 5% من مجموع السكان العرب . إن وعد بلفور هو وعد ظالم من شخص لا يملك الأرض إلى غرباء ليس لهم أي حق في الأرض الفلسطينية العربية . وأرفق بطيه نص الرسالة باللغة العربية
” وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني سنة 1917
عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية وقد عرض على الوزارة وأقرته :
إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جليا أنه لن يؤتي بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر
وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الإتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح
المخلص
آرثر جيمي بلفور ”

في عام 1917 احتلت القوات البريطانية المتجهة من مصر جنوبي بلاد الشام من الدولة العثمانية وبتاريخ 9/12/1917 دخل قائد القوات البريطانية الجنرال إدموند اللنبي مدينة القدس لتصبح تحت السيطرة المسيحية لأول مرة منذ عام 1187 ولتصبح فيما بعد عاصمة الإنتداب البريطاني

وفي عام 1919 تم عقد مؤتمر فرساي وهو المؤتمر الذي تم عقده في باريس من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا من جهة والدول الخاسرة الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية وبلغاريا حيث تمخض المؤتمر عن فرض عقوبات شديدة على الدول المهزومة .

بتاريخ 8/3/1920 اجتمع المؤتمر السوري ليعلن استقلال سوريا بحدودها الطبيعية استقلالا تاما بما فيها فلسطين ورفض إدعاءات الصهيونية ووعد بلفور في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والمناداة بإنشاء حكومة مسؤولة أمام المؤتمر الذي يشكل المجلس النيابي وكان يضم ممثلين انتخبهم الشعب في سوريا ولبنان وفلسطين والإعلان عن تنصيب الأمير فيصل ملكا على البلاد وتم تشكيل الحكومة برئاسة علي رضا الركابي وتشكلت لجنة لوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي ورفضت الحكومتان البريطانية والفرنسية قرارات مؤتمر دمشق ودعت إلى عقد مؤتمر سان ريمو الذي تم عقده ما بين 19-25/4/1920 والذي نصت نتائجه على وضع سوريا ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي ” وقامت فرنسا إثر معركة ميسلون بتاريخ 23/7/1920 بإسقاط الحكومة العربية وإحتلال سوريا” ووضع العراق تحت الإنتداب البريطاني ووضع فلسطين وشرق الأردن تحت الإنتداب البريطاني مع الإلتزام بتنفيذ وعد بلفور ولقد فرض الحلفاء على حكومة اسطنبول بتاريخ 10/8/1920 “معاهدة سيفر” والتي أملوا من خلالها شروطهم لتصفية الدولة العثمانية وإقتسام بلادها وأهم ما نصت عليه هذه المعاهدة بالنسبة إلى الأراضي العربية إعتراف تركيا بالإنتداب في سوريا والعراق وفلسطين واستقلال الحجاز ومصر والسودان وتنازل تركيا عن حقوقها في قبرص والمغرب وتونس وليبيا .

وبتاريخ 24/6/1922 أقرت عصبة الأمم التعديلات التي تم إجراؤها على معاهدة سيفر الأولى حيث عقدت “معاهدة لوزان” بتاريخ 24/7/1923 لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر من أجل إرضاء القائد التركي الجديد مصطفى كمال أتاتورك على حساب سوريا وتم الإعتراف الدولي بجمهورية تركيا التي ورثت مكان الإمبراطورية العثمانية وتم بموجبها التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا بالإضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان

وبتاريخ 11/9/1922 أقرت عصبة الأمم الإنتداب البريطاني بشكل رسمي لا إنساني ولا أخلاقي وغطت منطقة الإنتداب فلسطين بالإضافة إلى منطقة شرق الأردن . غير أن منطقة شرق الأردن تمتعت بحكم ذاتي ولم تخضع لمبادىء الإنتداب أو لوعد بلفور .




Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/tshible/circassiannews.com/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273