عيد الخضر في مرج السلطان – عادل عبدالسلام لاش

تاريخ النشر على الموقع 11/05/2015

الـ (قدِلوز)، أو عيد الخضر في مرج السلطان في سوريا

مر يوم السادس من شهر أيار (مايو) من سنة 2015 على أهالي بلدة مرج السلطان الشركسية في سوريا، وعلى السكان الشركس السوريين، مر وشركس المرج محاصرون مع عشرات الآلاف من سكان الغوطة الشرقية والمرج منذ ثلاث سنوات، يلفهم الحزن وتحرق أفئدتهم اللوعة التي تترك الوجه أسفعاً. فهو يوم كان شركس مرج السلطان يحتفلون فيه بحلول الربيع بطقوس متوارثة. كما انه يوم عيد شهداء سورية من العهد العثماني.

ولما كان السواد الأعظم من جماهير الشركس السوريين المحتفلين بهذا اليوم يجهلون خلفية هذا الاحتفال وجذوره، أقتبس ما يلي من دراستي عن قريتي (مرج السلطان) غير المنشورة وعنوانها:

مرج الســــــلطان: دراسة حالة جغرافية واجتماعية لقرية شركسية في سورية
وتطورها على مدى ستة عقود بين 1955- 2015
الأستاذ الدكتور عادل عبدالسلام (لاش)


يطلق شراكسة قرية مرج السلطان في سورية الواقعة شرق العاصمة السورية مدينة دمشق، هذا الاسم على مناسبة يحتفلون بها في السادس من أيار من كل سنة، وهواليوم المقابل للثالث والعشرين من شهر نيسان الشرقي في التقويم الفلكي الزراعي في المشرق العربي. وهو نفسه اليوم المعروف في سورية بـ (عيد الخضر)، وبـ (عيد الشهداء) في سورية ولبنان. وكذلك بـ (عيد القديس مار جريس أوجاورجيوس أو سان جورج) أو إلياس أيضاً عند المسيحيين. ويكاد احتفال الشركس بهذه المناسبة يتفق مع ما يجري في مصرمن (شم النسيم) و في وإيران في عيد (النيروز) وغيرهما.

ففي هذا اليوم الربيعي الجميل من كل سنة كان أهالي مرج السلطان يخرجون إلى المروج والبساتين المحيطة بقريتهم، محملين بما لذ وطاب من أطعمة ومأكولات وفاكهة وغيرها مما تم تحضيره في اليوم السابق وليلته، حيث يقضون يومهم من الصباح وإلى المساءالمتأخر في فرح وحبور يأكلون ويمرحون، ويتمتعون ويقيمون حلقات الرقص الشركسي. كما يمارس الصبية والفتيان شتى الألعاب الجماعية والمباريات التنافسية الشركسية الآخذة بالاندثار اليوم. وكان الموقع المفضل هو الضفة اليمنى (الغربية) لقناة (نهر) البليلاني الفاصل بين أراضي القرية وقرية البلالية. حيث كان بعض الفتية يسبحون فيه على ضحالة مياهه. وكان على الجميع في ختام الحفل، التوجه بوجوههم باتجاه الجنوب (القِبلة) وأيديهم مرفوعة بالدعاء طالبيمن من المولى تحقيق أمنيتين لكل فرد منهم في السنة القادمة، من دون التفوه بالأمنيتين وعدم ذكرهما لأحد. . وبهذه المناسبة يصوم أتراك العالم لمدة ثلاث ايام في هذه الفترة. وفي ليلة السادس من ايار يلتقي الخضر والياس فيكتب الناس أمنياتهم ويعلقونها على أغصان شجرة الورد , وهذا اعتقاد مشترك بين المسلمين.

ومما يلفت الانتباه في هذا الأمر أنني كنت أشاهد أعداداً من المسنين والمسنات كانوا يتوجهون بأجسامهم باتجاه الشرق، وليس نحو الجنوب. ولقد عرفت أنهم كانوا يفعلون ذلك إلتزاماً بـ (الأدِغه هابزه) أي العادات والتقاليد الشركسية. كما عرفت أن عادة التوجه نحو الجنوب حيث القِبلة في الوطن الأم وفي بلدان الشتات الشامي، رافقت انتشار الإسلام بين الشركس. ومهما يكن من أمر فإن هذه الحقيقة تشير إلى أن الشركس كانوا يمارسون هذا الطقس الاحتفالي بقدوم الربيع قديم جداً ويعود لما قبل الإسلام.

والغريب في أمر هذا العيد المسمى عند شراكسة مرج السلطان بـ (قِدِلوز къыдылоз)، الذي عرف محلياً فيما بعد بـ (عيد الخضر)أنه كان مقتصراً في سورية على شراكسة قرية مرج السلطان فقط، وغير معروف بين شراكسة سورية ولا يحتفلون به. ولم يكن يعرف بوجوده إلا قلة قليلة ممن كان يتردد منهم على القرية وتربطه بأهلها قرابة دم أو نسب. علماً أن مرج السلطان كانت تحتفل بالقدلوز سنوياً وبدون انقطاع منذ أنشاها الشركس الشاميةوأقاموها بين 1878-1879. ولقد تبين لي أن عدم الاحتفال بهذا اليوم لم يكن يقتصر على شراكسة سورية وحدها، بل يشمل شراكسة الأردن وفلسطين ولبنان والعراق ومصر. وبالمقابل وجدت أن طقوساً مشابهة معروفة عند سكان البلاد الشامية تحت مظلة الاحتفال بالرمز الاسلامي (الخضر عليه السلام) المقابل للقديس المسيحي (مار جريس)، ويعرف في بيروت بـ (أربعاء أيوب) وفي حماه بـ (خميس الخضر) وفي دير الزور بـ (ليلة انصف من شعبان)حيث يحتفلون بعيد «الخضر» في ليلة النصف من شعبان، فيوقدون الشموع ويضعونها في أوان من قش أو قصب، ويرسلونها طافية في نهر الفرات. أما عند الأتراك فالأمر منتشر بينهم ومنهم من يصوم ثلاثة أيام (صوم سيدنا الخضر)، كما يستمر الاحتفال لدى تركمان تلعفر في العراق ثلاثة أيام بليليها على تلة تعرف بـ (تل خضر إلياس). ويعرف عيد الخضر باللغة التركية بـ (هدرِلِز= أي خضرِلِز) وأصبح عند الشركس المرجيين قدلوز. ويروى عن المسنين في قرية مرج السلطان أن المعلم محمد رفعت لاش وزوجته (حفيظة خانم) كانا مَن رسخ لهذا الاحتفال في القرية، تأثراً بأتراك تركيا التي كانت محطة على طريق تهجير الشركس. ويبقى السؤال غامضاَ: عن ارتباط هذا الاحتفال بالعادات والتقاليد الشركسية الموغلة في عمق التاريخ والتي نظمت المجتمع الشركسي قبل معرفة الديانات السماوية. علماً أن هناك أخباراَ غير مؤكدة عن ما يشبه عيد الخضر في القفقاس، لفترات سبقت دخول المؤثرات الفارسية و الاحنفال بعيد النيروز (أو النوروز).

ومن الملفت للانتباه انتشار الاعتقاد بشخصية الخضر صانع الخوارق المقدسة في العالم الإسلامي، وتداخل الروايات والأخبار عنه بشخصية القديس مار جريس (جاورجيوس) قاتل التنين لدى المسيحيين في العالم، المعروف لدى بعض الفئات الإسلامية بـ (سيدنا إلياس)، تداخلاً خرافياً وأسطورياً. ويمكن متابعتها في ملحمة البطل الاسطوري النارتي بترز والتنين في أدب الملاحم النارتية الشركسية.

ظل إحياء طقس الاحتفال بالقدلوز بين الشركس مقتصراً على شراكسة مرج السلطان حتى سنة تهجير شراكسة الجولان بعد احتلاله سنة 1967. إلى محافظة دمشق بالدرجة الأولى وبقية محافظات سورية الأخرى. وكانت غالبية (النازحين) قد استقرت في أحياء متفرقة من مدينة دمشق وضواحيها. فكانت القرية الشركسية الوحيدة والقريبة إليهم هي مرج السلطان التي كانت تشكل لهم متنفساً “شركسياً” وهدفاً لبقائهم على علاقة مع الجو الريفي، وبيئة المجتمع الشركسي الذي افتقدوه في عالسم المدينة. وهكذا بدأوا يتعرفون على القدلوز (عيد الخضر). وأخذوا يشاركون سكان القرية بعيدهم السنوي، لدرجة أنهم أطلقوا عليه تسمية (عيد مرج السلطان). وعرفه شركس سورية كافة، فكانوا يأتون إلى القرية زرافات وحداناً وبالحافلات من شتى التجمعات الشركسية لا في سورية وحدها، بل ومن تجمعات شراكسة الأردن أيضأ. ومما شجع على المشاركة فيه كون السادس من أيار يوم عطلة رسمية في سورية بمناسبة ذكرى عيد الشهداء كما ذكرنا. وكان عدد سكان مرج السلطان البالغ قرابة 2300 نسمة سنة 2010، يتضخم في يوم العيد بالضيوف والزائرين إلى قرابة 10.000-15.000 نسمة. وكانت كل أسرة في القرية تستعد لاستقبال الضيوف في بيوتها بموائد عامرة، كما كانت الطرقات والحارات تعج بالبشر والمسيرات، والساحات بحلقات الرقص الشركسي. خاصة بعد الظهيرة وحتى منتصف الليل حيث كان من أتى بوسيلة نقل يغادر القرية، ومن كان له مضيف يمضي ليلته فيها. ولقد قام شباب القرية وفرع الجمعية الخيرية الشركسية فيها بتنظيم الحفل وتوفير وسائل الراحة والمشاركة للجميع، بل وكانوا قد باشروا بوضع خطط تنظيمية طموحة للمستقبل…… لكن أحداث سورية المتفاقمة منذ سنة 2011 حطمت كافة الآمال، بل وأوقفت حتى التفكير بوجود عيد في مرج السلطان منذ عام 2013 ونزوح سكانها منها، ووقوعها تحت الحصار المدمر، المهدد بزوال القرية لولا أبطالها المائة من الصامدين والمحافظين هلى هويتها الأصيلة.




Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/tshible/circassiannews.com/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273