احتلال بلاد الشابسوغ – معركة شة خاب – وليد هاكوز

تاريخ النشر على الموقع 20/08/2015

معركة شة خاب
Шэхап Зауэ
وليد هاكوز

2015081212

وقعت بلاد الشابسغ الواقعة على السحل الساحلي للبحر الأسود تحت الإحتلال الروسي في عام 1839 ، حين تم تكليف الجنرال / اللواء ريافسكي (Raevski) بقيادة قوة عسكرية برية تألفت من :
1- 8 كتائب مشاة .
2- 4 كتائب مدفعية ، مزودين بأربعة وعشرون (24) مدفعا .
3- فوجين من خبراء المتفجرات .
4- فوجين من مشاة مليشيا القوزاق .

كما تم تكليف الأدميرال لازارييف (Lazareav) بقيادة قوة عسكرية بحرية تألفت من :
1- السفن الحربية : “Empress Catherine” ØŒ “Adrianople” ØŒ “Memory Eustache” ØŒ
“Sultan Mahmud” ØŒ Ùˆ”Sea of Lystra” .
2- الفرقاطات الحربية : “Standart” ØŒ “Agatopol” ØŒ ” Tendos” ØŒ “Burgas” ØŒ ” Braila” .
3- الطراد الحربي : ” Mercury” .
4- الباخرة : “Northern Star” .
5- زورق الإتصال “Light” .
6- اليخت : “Orianda”.

وصدرت الأوامر لتلك القوات الكبيرة لتنفيذ عملية إنزال عسكري بحري من البحر الأسود على شواطئ بلاد الشابسغ عند مصب نهر شاخة (Shakhе – Шахэ) ØŒ لإحتلال الأراضي الساحلية الشركسية وبناء قاعدة عسكرية بحرية عليها .

وفي 23 نيسان – أبريل من العام نفسه ØŒ أبحر اٌسطول البحرية الروسي بقيادة الأدميرال لازارييف من ميناء سيفاستوبول في القرم وعبر مضيق كيرتش ليصل إلى ميناء تمريوك (Temruk) . وتم إستئجار تسعة (9) سفن تجارية ØŒ وتحميلها بالمواد اللازمة لبناء التحصينات ØŒ والخيول والثيران والماشية ØŒ والعربات ØŒ والأعلاف ØŒ ومواد تموينية ØŒ وبعض المعدات الضرورية الأخرى ØŒ وبقيت جاهزة للإبحار تنتظر الأوامر من قيادة إسطول البحرية الروسي .

وأخيرا ØŒ وفي 28 نيسان ØŒ تحركت تلك السفن ترافق الإسطول البحري الروسي ØŒ وعبرت إلى البحر الأسود عبر مضيق كيرتش بإتجاه سواحل الشابسغ . كان الطقس هادئا عند الإبحار من بحر آزوف ØŒ ولكن الرياح والتيارات المائية إشتدت على طول الشاطئ الشرقي للبحر الأسود مما ساهمت في وصولهم إلى مصب نهر شاخة في فترة ما بعد الظهر في 2 أيار – مايو ØŒ وأدى لتأخر عملية الإنزال البحري إلى اليوم التالي ØŒ وبقيت جميع السفن راسية طوال الليل في عرض البحر الأسود مقابل سواحل الشابسغ عند مصب نهرشاخة (Shakhе – Шахэ) .

وعلى مد البصر عند مكان الإنزال ØŒ لاحظت القوات الروسية إقتراب فرسان الشابسغ من كافة النواحي المحيطة ØŒ وبدأوا في التدفق بكثافة على تلك النقطة . وسرعان ما بدأت القوات الروسية بإطلاق نيران مدافعها على طول الساحل ولمسافة ثلاثة أميال من الشريط الساحلي بالقرب من مصب نهر شاخة والتلال المحيطة بها ØŒ حيث شوهدت ألهبة الحرائق وأضوائها . ومع بزوغ الفجر إقتربت القوات البحرية نحو الشاطئ ØŒ حيث قامت الباخرة “Northern Star” بالتمركز بين الفرقاطات والسفن الحربية ØŒ وأنزلت المرساة على عمق حوالي 6 أمتار . وتلى ذلك نزول الجنود بعد إشارة من قائدهم إلى قوارب التجديف ØŒ وبدأوا بتجذيف القوارب الصغيرة نحو الشاطئ . ونزل قائد القوات البرية الجنرال رايفسكي “Raevski” الى القارب من الباخرة أيضا لأقرب مكان ممكن من الشاطئ لمشاهدة المنطقة ØŒ وتحديد إتجاه القوات للساحل التي كان على القوات التحرك إليها ØŒ لتنفيذ العملية بأكبر سرعة ممكنة .

لقد كانت المنطقة المخططة للقوات بإحتلالها وبناء التحصينات عليها صعبة المنال ، حيث أن وادي نهر شاخة تحيط به التلال الصخرية عند الفم ، وتأثير المدفعية عليه محدود إلى حد كبير ، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن التضاريس الطبيعية حولها صعبة للغاية ، وغاباتها كثيفة بالأشجار الضخمة ، لذا فإن قذائف المدفعية البحرية لن تسبب أضرار كبيرة للشركس . كما أن مناورة القوات على طول الوادي محدودة بسبب حقيقة أن الانتقال من ضفة لآخرى كان صعبا للغاية نظرا للمستويات المرتفعة للمياه في النهر . لقد كان الشابسغ يطلقون عليه بنهر الدم ، لأنه لم يمر عام واحد بدون غرق الناس فيه أثناء عبورهم لذلك النهر ، كما أنه يعد واحدا من أوسع أنهار الشاطئ .

أما الوادي الضيق عند نهر سوباشي (Subashi) ، فهو أكثر صعوبة للسير وللعمليات العسكرية ، لأنها مغطاة تقريبا بكتلة كاملة من الأشجار العالية المتشابكة مع الكروم الواسعة . لقد أبدع الشابسغ بتجهيز سفوح منحدرات أوديتهم بتغطيتها كاملا بأشجار الفاكهة ، وسجادة رائعة من الأعشاب والزهور البرية . وتتواجد منازلهم في قلب الوادي ، موزعة في مجموعات في عمق الغابات .

كان الروس يراقبون من السفن لمدى سرعة تواجد حشود الشركس على الشاطئ ، فقد شاهدوا تحرك نحو ثلاثين فارسا على ظهور الخيل . لقد أضاءت الشمس المشرقة الصورة غير العادية لمجموعة من فرسان الشركس تحت أشجار البلوط القديمة من البساتين المقدسة ، ويقدر عددهم نحو 500 مسلح في حالة ركوع وأمامهم الملا بعمامة بيضاء . كانوا يصلون لله طلبا لمنحهم القوة للقتال القادم ، وتعهدوا للدفاع عن أرضهم وبلادهم المقدسة .

وأخيرا ØŒ بدأت القوات الروسية بعملية الإنزال الأولى ØŒ حيث صعد جنود البحرية بأسلحتهم على زوارق التجديف ØŒ ورفع الاميرال لازاريف إشارة الإنطلاق ØŒ لتفتح كل السفن الحربية معا نيران مدافعها الثقيلة على الشاطئ ØŒ والتي استمرت بشكل مستمر لمدة ربع ساعة . بعدها إندفع الجنود والبحارة بالصراخ “مرحى” ØŒ وكانت هذه إشارة إلى السباحة نحو الشاطئ . لقد كانت سفن التجديف بقيادة الكابتن (الرائد) كورنيلوف “Kornilov”ØŒ وعلى الجناح الأيمن ساعده الملازم بحري بانفيلوف “Panfilov”ØŒ وعلى اليسار – الملازم بحري ايفانوف “Ivanov” . لقد وضعت قوارب التجديف في خطين متوازيين ØŒ وبدأ التجذيف لتنطلق القوارب نحو الشاطئ . وعند وصولهم إليها تم رفع المجاذيف ØŒ ونزل مشاة البحرية منها يصرخون بصوت عال “مرحى” ØŒ وقفزوا بسرعة على الشاطئ .

أما على الجناح الأيمن في خط الهجوم الأرضي مقابل مصب نهر شاخة ØŒ فقد إنتقل إلى الساحل فصيل من كشافة القوزاق مسلحين ببنادقهم بقيادة الرقيب دايتشينكو “Dyachenko” ØŒ وفتحوا النار على الحشود الشركسية المتمركزة وسط الأشجار عند مصب النهر ØŒ وإستمر القوزاق بالتقدم إلى الوادي بإتجاه الضفة اليسرى المرتفعة ØŒ لإضعاف جناح القوة الشركسية . ثم تقدمت القوات البرية بقيادة الميجر جنرال / اللواء كابوستين “Kapustin” ØŒ والتي تألفت من ثلاث كتائب كل واحدة من 600 جندي . وكانت الكتيبة الثالثة – مدفعية بقيادة البريجادير جنرال / العميد أوزيفسكي “Olszewski” ØŒ والكتيبة الأولى – فرسان بقيادة الكولونيل / العقيد بولتينين “Poltinin” ØŒ حيث تم توفير الغطاء لوصول جنود البحرية ØŒ وأما الكتيبة الثانية – مشاة فكانت بقيادة اللفتنانت كولونيل / المقدم فيالكوف “Vyalkov” .

تحت إطلاق نار كثيف من المدفعية البحرية بدأت القوات البرية الروسية تتقدم ، بينما كانت القوة الشركسية تتمركز في الخنادق الساحلية ، والتي كانت قد عززتها على كامل المساحة في تلك المنطقة . فقد تم إعداد هذه الخنادق في الأماكن العالية وكانت الخنادق عميقة ، وكان في الوادي سياج مزدوج في وسط الأرض الوسطى ، ثم تراجع الشابسغ في الوديان والمرتفعات المقابلة للغابات .

بعد ذلك ØŒ نزلت القوات البحرية على الشاطئ وتم إنزال المدافع والذخيرة معهم ØŒ وإرسل الرماة إلى التلة قرب الغابات الذي كان يقع على بعد نصف كيلومتر من الساحل في سهل مصب نهر شاخة . وفجأة ØŒ تدفقت كتلة ضخمة من القوة الشركسية بأكثر من 1,000 فارس بجيادهم وفي صمت من دون إطلاق النار بإتجاه القوات الروسية . تفاجأت القوات الروسية ØŒ ودب الرعب فيهم حيث تعالت صياح الجنود ØŒ وإستمر تقدم الفرسان الشراكسة بجرأة للسلسلة الأمامية لقوات اللواء كابوستين ØŒ حيث بدأت القوات الروسية بالتراجع بسبب هذه الهجمة الشركسية المباغتة . لقد كانت لحظة حرجة للروس ØŒ فقد هرع اللواء كابوستين مع كتيبته للخلف يائسا ØŒ وخلف ورائه جنوده القتلى والجرحى ØŒ بينما كان الجنرال رايفسكي يراقب الوضع مع ظباطه على الشاطئ البعيد ØŒ وتردد لوقت ما في التصدي للهجوم الشركسي الحاد ØŒ وإشترك “Jlopep” في هذه المعركة جنبا إلى جنب مع “Одоевски” ØŒ Ùˆ “Нарышкин” ،و “Загорецки” .

في خضم هذا القتال الشرس ØŒ تقدمت الكتيبة الثالثة تحت قيادة العقيد تانسكي ” Tanski” بعد أن انتقلت من الاحتياطي الى المقدمة ØŒ سرعان ما ظهرت لهم حراب الفرسان الشراكسة بالمرصاد على سهل الغابة لتبدأ معركة شرسة بالسلاح الأبيض . وفي الوقت نفسه ØŒ جاء فوج الميجر / الرائد هيرمان “Herman” الاحتياطي الثالث للمشاركة لمعاونة قوة العقيد تانغ . توقفت القوة الشركسية وبدأت بالتراجع ØŒ ثم بدأوا في تبادل إطلاق النار ØŒ ليسود الهدوء بعد ذلك . لقد تم إحباط الهجوم الشركسي السريع ØŒ بعد أن قاتل كلا الجانبين بشدة في المعركة .

تقدم بحارة قوارب التجديف بقيادة القبطان درجة الثانية كورنيلوف ØŒ ومساعديه بانفيلوف وايفانوف ØŒ لمرافقة نائب الأدميرال غلازينب – Glazenap ØŒ وعدد من ضباطه ØŒ للمشاركة في هذه المعركة الشرسة ØŒ وهرعوا للمساعدة في صفوف الجيش من القوات البرية الروسية .

وفي الوقت نفسه ØŒ وعلى الجهة اليسرى إشتعلت النار في معركة شرسة ØŒ حيث تدفق حشد ضخم من الشركس من تلة الغابات التي تقسم الوديان لنهري شاخة Ùˆ سوباشي ØŒ في محاولة للتمركز على المرتفعات البارزة على ساحل البحر. لاحظ اللواء OlszewskiØŒ الذي قاد غطاء الأيسر، الهجوم الشركسي الجديد على كتيبة اللفتنانت كولونيل / المقدم خلوبين “” ØŒ وسرعان ما هرعت إلى أسفل سفح الجبل نحوهم ØŒ مكنتهم من وقف الهجوم الشركسي على هذا الموقع ØŒ ومن ثم دفعهم إلى الغابة المحيطة بها . لقد تم الضغط على الشركس من قبل ثلاث جبهات ØŒ ومع ذلك ØŒ لم يتم إستسلامهم ØŒ بل تراجعوا ببطء عبر السهل تحت ستار من سلسلة مزدوجة . وفي الوقت نفسه ØŒ جاءت موجة حشد جديدة من الغابات ØŒ وتم حمل القتلى والجرحى بعيدا .

ثم بدأت المرحلة الثانية لعملية الإنزال على الشاطئ لبقية القوات الروسية . وتوجهت كتيبة المشاة بقيادة اللفتنانت كولونيل دانزاس “Danzas” على الفور الى ساحة المعركة لتعزيز القوات الروسية المقاتلة بقيادة اللواء كاشوتين “Kashutin” والعقيد بولتينين “Paultinin” ØŒ مما أدى للقوة الأساسية للشركس للتراجع ببطء غير عادي، وبالتالي خلق فرصة لسحب القتلى والجرحى من أرض المعركة ØŒ والتي كلفتهم خسائر كبيرة . واصلت القوات الروسية تقدمها الى التلال المحيطة لمنطقة تضيق الوادي بعد ساعتين من القتال العنيد وفازت بالمعركة .

قام الشركس بمحاولة أخرى للهجوم لإستمرار المعركة ØŒ وهرع حشد كبير منهم إلى سفح الجبل وهاجموا قوات الاحتياط بقيادة الكابتن (الرائد) شيربين “Sherbin” ØŒ وتم إصابة كل من الملازمين ريكوف “Rykov” Ùˆ موجاروف “Mozharov” بجروح خطيرة . بعد ذلك وصل الشركس الى التلال المحيطة للوادي .

2015081213

الرسام الروسي أفيازوفسكي “Aivazovsky” الذي كان مع الأدميرال لازاريف Ùˆ الجنرال رايفسكي أثناء عملية الإنزال العسكري كان على السفينة الحربية “Sea of Lystra” ØŒ نزل مع القوات البحرية وذهب الى الشاطئ حاملا حقيبته وأدوات الرسم الخاصة به ØŒ وبدأ يرسم لوحة وثق فيها عملية الإنزال . هنا ØŒ وإلى جانب جنود كتيبة مشاة البحرية أصيب برصاصة في المعدة وصار ينزف ØŒ فقام أحد جنود البحرية بإسعافه وأعيد إلى السفينة على الفور . وبعد هدوء المعركة ØŒ كانت عملية الإنزال على نهر شاخة قد تمت في 3 أيآر – مايو 1839 ØŒ وقد خلدها أفيازوفسكي بلوحة من أفضل لوحاته .

لقد كانت خسارة للقوات الروسية في تلك العماية على النحو التالي : مقتل ثلاثة ضباط و 111 جنديا من القوات البرية ، و مقتل ستة ظباط و 128 جنديا من القوات البحرية ، وإصابة 232 جريحا من الجنود والبحارة ، توفي 17 منهم لاحقا متأثرين بجراحهم .

وبعد توقف اطلاق النار مباشرة ، أرسل الشركس وفدا برئاسة بيرسلان بيرزج للجنرال رايفسكي للسماح لهم بنقل قتلاهم وجرحاهم الذين سقطوا على أرض المعركة التي أصبحت محتلة الآن من قبل القوات الروسية ، ولكن الجنرال الروسي رفض ذلك ، وعاد الوفد بخفى حنين . ولما كان من بين القتلى العديد من قادتهم الرئيسين ، أصر الشراكسة لإعادة جثامينهم مهما كلفهم الأمر ، لأنهم كانوا لا يتركون قتلاهم وجرحاهم في ساحات القتال حسب عاداتهم ، فقاموا بإرسال عدد من رجالهم مع العربات لنقل الجثث ، مما إضطر الجنرال للموافقة هذه المرة ، آملا بإقناعهم للاستسلام . لقد كانت الخسائركبيرة ، ولكن العدد الدقيق للقتلى والجرحى من الشراكسة لم يعرف بدقة ، ولكنه كان بالمئات .

2015081214

وكذاكرة لشهداء الشراكسة الذين سقطوا دفاعا عن بلادهم ØŒ يقع اليوم في منطقة قالافينكا “Головинка” والتي تعرف باسم شة خاب “Шэхап” بالشركسية ØŒ نصب تذكاري للشهداء الشركس من قبيلة الشابسغ الذي ضحوا بأرواحهم في تلك المعركة ØŒ ويقع النصب على تلة مشرفة عند شاطئ البحر الأسود لوادي نهر شاخة .

وليد هاكوز
20/8/2015
تورنتو – كندا

Reference:
N.F.Dubrovin , The Circassians (Adyge) – Military Collection, â„– 3. 1870
Н. Ф. Дубровин , Черкесы (Адыге) – Военный сборник, â„– 3. 1870