وصول الشراكسة للأردن – جميل اسحاقات

تاريخ النشر على الموقع 10/11/2011

بعد حرب طويلة استمرت لمدة 150عاما بين الإمبراطورية الروسية : الدولة العملاقة بعدد سكانها وقواتها العسكرية المدرّبة المجهزة بأحدث الأسلحة والتي تحظى بمساندة ضباط وجنود من كافة الدول الأوروبية وبين الشراكسة المتطوعين الذين يحاربون بأبسط أنواع السلاح : السيوف والرماح وعدد محدود من البنادق انتهت حرب الإبادة والمجازر الوحشية في ربيع 1864م ، ليخيّر الشراكسة بين أمرين كلاهما مرّ : التحوّل إلى مواطنين روس والترحيل إلى المناطق المنخفضة الموبوءة بالملاريا ، وبين ما زينتهم لهم الدولة العثمانية الرحيل إلى ديار الإسلام لالتقاط النفس والاستعداد لمحاربة الدولة الصليبية

وكان من وعود الأتراك للشراكسة
1 – كل شخص يهاجر إلي الأراضي العثمانية يحصل على ضمانة السلطان بالحفاظ على حقوقه و حريته وماله وروحه
2 – توزّع على المهاجرين أراضي معفاة من كل أنواع الضرائب
3 – كل من يسكن في تركيا يعفى من التجنيد لمدة ست سنوات ومن يسكن في البلقان يعفى لمدة 12 سنة

كما نشرت الدولة العثمانية الكثير من الدعايات بين الشراكسة منها :
1- الهجرة قدرنا ومكتوبة علينا فلا مناص إلا الطاعة الخالصة
2- سنذهب إلي بلاد الإسلام لنستعد ونعود لتحرير الوطن
3- من يموت في غير الديار الإسلامية مأواه جهنم ، فلا بد من الذهاب إلي بلاد الإسلام لمن يريد الجنة

اختار الشراكسة الرحيل إلى الديار الإسلامية فبدأت عمليات الترحيل التي لم تكن في واقعها أرحم من الحرب فقد ابتلعت عمليات الترحيل مئات آلاف الأنفس من الشراكسة موتا على شواطئ البحر الأسود من الجوع والفقر وانتشار الأمراض والسرقة وعمليات النهب والقتل بكل أشكاله غرقا في البحر أو هلاكا من الأوبئة فخسر هذا الشعب البسيط الذي لم يكن له أي ذنب سوى أنّه يقع على طريق المياه الدافئة التي تسعى الإمبراطورية الروسية للوصول إليها قرابة 450 ألف نسمة .

تسارعت عمليات الترحيل بعدما طلبت الدول الأوروبية من الدولة العثمانية في معاهدة برلين 1878م ترحيل الشراكسة من البلقان.

وصلت المجموعة الأولى من الشراكسة إلى عمّان أواخر العام 1878م بعد رحلة عناء استمرت عشرة أشهر حيث غادرت في 18آذار 1878م سفينة نمساوية (sphinx ) ميناء كفالا اليوناني تنقل 3000 شركسي متجهة إلى اللاذقية لكنها تعرضت لكارثة فاختنق في أحد عنابرها 500 من الشراكسة ، نقل الباقي إلى ميناء فماغوستا في قبرص لينقلوا منها إلى منطقة خربة الشركس قرب حيفا ، أسكنت المجموعة في منطقة قيسارية وكانت المنطقة موبوءة بالملاريا فتوفي العديد منهم وهناك مقبرة قرب طولكرم تعرف بمقبرة الشركس، فانتلقلوا إلى الأردن ، ألا أن الظروف كانت صعبة فرجعت مجموعة منهم إلى فلسطين حيث أنشؤا قرية كفر كما ، وبقيت مجموعة في عمان وكانوا في غالبيتهم من الشابسوغ و الأبزاخ ،
سكنت المجموعة الأولى سنة 1878م التي وصلت عمّان منطقة المدرّج الروماني قبل أن يعمّروا منطقة سفح جبل القلعة التي عرفت فيما بعد بالشابسوغ .
سنة 1880م وصلت مجموعة من القبردي والبجدوغ والأبزاخ فسكن القبردي منطقة الجامع الحسيني ( جامع العمري ) سابقا ،وسكن الأبزاخ في المنطقة التي عرفت فيما بعد بحي الأبزاخ الجهات الجنوبية من منطقة سكن الشابسوغ ( سوق الصاغة وشارع منكوا والمنطقة المجاورة لها ).
وصلت مجموعة من العائلات الشركسية من الأبزاخ وقليل من الشابسوغ وادي السير منهكة مجهدة 1882م ، أضناها طول الترحال والتنقل آلاف الكيلومترات سيرا على الأقدام وبعربات خشبية على طرقات غير ممهدة عبر الجبال والوهاد ، وفي بيئات غير آمنة صحيا على أقل تقدير تنشر فيها الملاريا والكوليرا ، وكانت نفوسهم التي اعتادت الحرية والفضاءات الواسعة قد ضاقت من الاقامة في كهوف ومغر عمان الضيقة . تبعت بعد فترة قصيرة المجموعة الثانية وكانت تتكون من البجدوغ .

سنة 1892م وصلت دفعة عن طريق دمشق وهم الذين عرفوا فيما بعد بالمهاجرين وسكنوا المناطق القريبة من نبع الماء والتي عرفت بحي المهاجرين وقد جاء هؤلاء من تركيا إلى بيروت ومنها إلى دمشق وعمان .

وصل الفوج الرابع سنة 1892 أتوا من تركيا إلى دمشق ومنها إلى عمّان وسلكوا بشكل عام طريق الحج الشامي ، كان هذا الفوج منظما له حرّاسه وتعمدوا ألا يدخلوا المدن في طريقهم ، إلا أنّهم عند وصولهم دمشق اضطروا إلى المرور بها فغطوا عربات النساء بأغصان الدفلى حتى تكون ساترا للنساء من أعين المتطفلين . حاول السابقون حرمان هؤلاء من حصص في الأرض فتدخل خسروف باشا وكان من الأبزاخ فأعطوا حصصا في الأرض و سرعان ما بدؤوا في استصلاحها وبناء البيوت فيها من الحجارة والطين والقصب وأغصان الأشجار ، وأعادوا ترميم المسجد القديم فصار للناس مسجد يصلون فيه .

سنة 1900 م وصلت قافلة من القبردي و البجدوغ استوطنت المجموعة الأولى في عمّان واتجهت الثانية إلى وادي السير ثم إلى ناعور .

1907 وصل فوج صغير من القبردي سكنوا في قرية الرصيفة

وهكذا وصل الشراكسة إلى الأردن وفي يقين كل منهم أنّهم إنما جاؤوا إلى الديار الإسلامية لينزلوا عند أناس من ملتهم ، وقد ساعدهم هذا في تحمّل الصعاب والمشكلات التي واجهتم وخاصة مشكلة اللغة وسيلة التفاهم مع الآخرين ، لم يضع الشراكسة الوقت فلم يكن في ذلك الزمان وكالات لإغاثة اللاجئين ولا جهات مانحة ، فبدؤوا في استصلاح الأرض وبناء بيوتهم تحت أعين البدو الذي تعجبوا من هذه المجموعة البشرية المختلفة في زيهم وطبائع حياتهم . أدهشت القبائل البدوية عربات الشراكسة وإصرارهم على العمل فبدؤوا في مراقبتهم ومحاولة التعرّف عليهم ولو بالإشارات ، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القبائل البدوية وهم جماعات لها حضارتها الخاصة وأساليب حياتها المعتمدة على الرعي وتربية الحيوانات وإنتاج الجميد والسمن وجدوا في هذا الجماعات الوافدة تكملة لدورة الحياة ، فهم مزارعون يزرعون أشجار الفاكهة : التين والمشمش والعنب وأنواع الخضراوات ويزرعون الحبوب ، وهم فوق هذا أصحاب مهن وحرف فهم يعملون في الحدادة والنجارة وحياكة الثياب والسروجيه والبدوي في أمس الحاجة لهذه الأشياء .

بدأ التقارب بين البدو والشراكسة تحقيقا لمصلحة الطرفين، وقد ساعدت مجموعة القيم المشتركة بين المجموعتين : الشجاعة والكرم والمروءة على هذا التقارب ، فمن طبائع الشراكسة أنّ من يدخل بيتهم لا يمكن أن يخرج منه ما لم يأكل من زاد البيت ، فكانت سيدات المنازل الشركسية تلاطف أطفال البدو الذين يدفعهم الفضول للوصول إلى بيوت الشركس وتقدّم السيّدات لهؤلاء الأطفال ما توفّر في البيت ، الأمر الذي ترك انطباعا عند هؤلاء وأهلهم بأنّ الشراكسة لا يختلفون عنهم وأنّهم لطفاء كرماء يتعاملون بالحسنى ، وبدأت الثقة تكبر بين الناس شركسا وعربا .

دارت عجلة الزمن وبدأ الشراكسة في مد قنوات المياه لسقي الأراضي التي استصلحوها فالتقت مصلحة الطرفين في توفير مواد الحياة الضروريّة واشتغل الطرفان بالتجارة : الجميد والسمن من البدو والحبوب والفاكهة والخضراوات من الشراكسة ، يشتري البدو من الشراكسة سروج الخيل والأحزمة الجلدية ويبيعونهم السمن ، وبدأت مجموعات منهم ( عربا وشراكسة )بالوصول إلى فلسطين لبيع المنتجات وشراء اللوازم الأخرى : الكيروسين والأقمشة ، وبدأ التجمع السكاني البسيط يكبر ويتحوّل إلى بلدة استقطبت تجارا وحرفيين من فلسطين ومن سوريا . وظهرت ملامح الحياة المدنية رويدا رويدا في عمان وغيرها من القرى التي أنشأها الشراكسة وادي السير وجرش وناعور والرصيفة .

 

للتنويه:الهدف الاساسي من نشر المقالات هو توفير منبر لقراء الموقع يجمع فيه أي مقالات تكتب عن شراكسة الأردن، أو أي مقالات تكتب من قبل كتاب شراكسة من الاردن، و في بعض الاحيان بعض المقالات المنتقاة من قبل ادارة الموقع التي نعتقد بأنها تهم قارئينا. المقالات المنشورة تعبر فقط عن اراء كتابها، و ليس بالضرورة عن اراء الموقع أو القائمين عليه. اننا نحاول قدر الامكان تحري صحة المعلومات المنشورة في الموقع و موضوعية الاراء ووجهات النظر، الا ان القائمين على الموقع ليسوا مؤرخين او باحثين في التاريخ او الثقافة الشركسية و ليسوا بخبراء بالابعاد السياسية لاي موضوع ينشر.



Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/tshible/circassiannews.com/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273