سوتشي: أولمبياد ضد كل القيم الرياضية! – باتر وردم

تاريخ النشر على الموقع 05/02/2014

الدستور-5-2-2014

عندما قامت الحركة الرياضية العالمية بإعادة الألعاب الأولمبية في العصر الحديث في نهاية القرن التاسع عشر كان ذلك ايمانا بالقيم الرائعة التي تجسدها هذه الرياضات. إن الأولمبياد ليست مجرد تظاهرة رياضية فقط، يتنافس فيها رياضيو ورياضيات العالم، فالتاريخ يسجل أن الأنشطة الدينية والفلسفية والثقافية كانت حاضرة منذ الانطلاقة الأولى للأولمبياد في زمن الإغريق، وأن الرياضة كانت وسيلة لتحقيق أهداف نبيلة وإيصال المثل العليا وترسيخ الأخلاق في المجتمع. سيحفظ التاريخ دور الألعاب الأولمبية في تجميع الشعوب مهما كانت أجناسها، ألوانها، دياناتها، وثقافاتها، حيث يرمز الشعار الأولمبي المكون من الدوائر الخمسة والمترابطة فيما بينها إلى القارات الخمس.

وبعيدا عن الجوهر الرياضي للأولمبياد، باتت هذه التظاهرة المتجذرة في التاريخ الإنساني حدثا يقاس به مدى تطور الحضارات، كونها تعكس قبل كل شيء نتاجا فكريا عبر مراحل زمنية متعاقبة للعقلية الإغريقية التي خلدت نفسها في سجل الحضارات المؤثرة في تاريخ الإنسانية، وهو ما يفسر الصراع المحموم بين المدن في وقتنا الراهن حول شرف استضافة الألعاب الأولمبية.

عندما قررت اللجنة الأولمبية الدولية قبل 7 سنوات الموافقة على طلب روسيا لإقامة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة سوتشي ضربت بعرض الحائط كل تلك القيم، وتسببت في منح نظام حكم بوليسي ثري الفرصة لتقديم صورة مزورة عن التقدم الحضاري في مدينة تشتهر تاريخيا بأنها شهدت ذروة الإبادة العرقية والدينية للشراكسة من قبل القوات القيصرية الروسية وتهجيرهم من أراضيهم وخاصة في العام 1864 وهكذا تأتي الألعاب الأولمبية في الذكري ال 150 للتهجير النهائي للشراكسة لتشكل إهانة ضد كل القيم الإنسانية.

عندما سيتم افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي بعد يومين ستكون المدينة قد تحولت إلى قلعة عسكرية يمنع دخول أحد إليها إلا بتصاريح خاصة، وسيشاهد الرياضيون والسواح منشآت بلغت قيمتها 51 بليون دولار غالبيتها العظمى تحول إلى تدفقات من الأموال غير الشرعية التي دخلت إلى أرصدة شركات المقاولات والبناء التي حازت على عقود البناء ومعظم رؤسائها وأصحابها من المقربين للكرملين. على سبيل المقارنة أنفقت بريطانيا 15 بليون دولار لتنظيم أولمبياد لندن الصيفي في العام 2012 والذي يعتبر أكبر حجما بأضعاف من الأولمبياد الشتوي.

ولكن القضية الرئيسية هي في استباحة منطقة شهدت واحدة من اسوأ المجازر الدينية والعرقية في التاريخ. في منتصف القرن التاسع عشر تسببت الحروب التي شنتها الإمبراطورية القيصرية الروسية في قتل 1.5 مليون من الشركس وتهجير البقية منهم (حوالي 2 مليون) إلى أصقاع الدنيا المختلفة. سوتشي شهدت المعركة الأخيرة في العام 1864 والتي حسمتها القوات الروسية بقوتها ومددها البشري الهائل في مواجهة شجاعة محاربي الجبال الأصحاب الأصليين لهذه الأراضي. في سوتشي مقابر لعشرات الآلاف من الشراكسة وفيها الميناء الذي تم منه ترحيل البقية في سفن مكتظة غرق الكثير منها في البحر الأسود قبل أن توصل “المحظوظين” منهم بالبقاء على قيد الحياة إلى أراضي الأمبراطورية العثمانية.

بعد يومين في سوتشي، وبالرغم من كل المظاهر الاحتفالية والإنفاق الهائل فإن القيم الأولمبية خسرت قبل أن تبدأ اية منافسة!
batirw@yahoo.com
http://www.addustour.com/17117/%D8%B3%D9%88%D8%AA%D8%B4%D9%8A%3A+%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AF+%D8%B6%D8%AF+%D9%83%D9%84+%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85+%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D9%8A%D8%A9!.html



اضف تعليقا