طبقات مجتمع القبردي في العصور الوسطى – جميل اسحاقات

تاريخ النشر على الموقع 20/04/2014

مجتمع القبردي كغيره من المجتمعات الحية مجتمع ديناميكي ، يتغير تركيبه الهيكلي ، وتتغير خصائص فئاته المكونة لطبقاته ، وامتيازاتها ، وفق العوامل المؤثرة عليها ، وبشكل خاص : العوامل الاقتصادية وعوامل الأمان والاستقرار .

لم يحظ هذا المجتمع بدارسة تحليلية تاريخية لمكوناته ، والتطورات التي مر بها عبر فترات التاريخ المختلفة ، وإن أشار إليها بعض الكتاب غير المتخصصين اشارات محدودة ، تطلبتها المواضيع التي كتبوا فيها ، لذا شحت المصادر ، وظهر الاختلاف واضحا بين الكتب التي تناولت موضوع السكان والتركيب البنائي لمجتمع القبردي ، بل جاءت بعض التسميات غريبة حينا ، ويصعب إعطاء معان واضحة لهذه التسميات حينا آخر، لوجود تحريف في اللفظ ، أو لسوء التركيب اللغوي ، ويرى شورا بكمرزا نوغمو أن الأمير برسلان قسّم القبردي الي صنوف ودرجات على النحو التالي :-
الخواص : –

ويقسمون إلي خمس درجات ( مراتب ) هي :

ا – لاقوه تلش ЛIэкъуэ лIэш 2 – ديجينوقوه Дыжыныкъуэ 3 – قودز Къуэдз 4 – بشه ورق ( برسلان ورق ) Пщы уэркъ (Быслан уэркъ) 5 – ورق شاوه ليه خوسه Уэркъшао ЛIыгъусэ
اللاقوه لش : ЛIэкъу лIэш : ( الأقوياء ) ، يغلب الظن أن هذه التسمية نشأت عن كونهم أوفر عددا أو اكثر مالا من غيرهم
ديجينوقوه : – Дыжыныкъуэ أتباع الأمير من درجة أدني
القودز : Къуэдз أشراف من الاجانب سكنوا في مناطق القبرطاي
بشه ورق ( برسلان ورق ) : Пщы уэркъ (Быслан уэркъ) : النبلاء الذين يتبعون الأمير ويقضون أوقاتهم في خدمته
ورق شاوه لي غوسه : Уэркъшао ЛIыгъусэ : كانوا من مرافقي الأمير ، ويمتازون بالشجاعة .

أما طبقة العوام فكانت تقسم الي أربع درجات ( مراتب ):
1 – بشه قان : Пщыкъан : تابع الأمير
2 –لاقوه شاوه лIакъуэ шауэ
3 – فقول : Фэкъул! : مزارع أو فلاح
4 – ونه أوت : УнэIут: الأجير أو الخادم

نجد كتبا أخرى تقسّم مجتمع القبردي بشكل عام الي ثلاث طبقات :

طبقة الأحرار : تتكون بشكل أساسي من الأمراء ( الأشراف ) والورق .
طبقة الأرقاء والمملوكون ПщыылI .
طبقة الأزيت : Азыт : وهي طبقة متوسطة بين طبقتي الأحرار والأرقاء ، و بشكل عام المحررون من طبقة الأرقاء

يرى بعض الكتاب أن الوثائق التي يمكن الاعتماد عليها بشكل عام ØŒ هي الوثائق التي كتبت أيام يرملوف والفترة التي تم تحرير العبيد فيها ØŒ حيث سّجلت فئات المجتمع ØŒ وبشكل خاص فئات طبقة الأشراف التي قاومت تحرير العبيد للتأثير السئ لهذا التحرير على قيم ممتلكاتهم من جهة ØŒ ولأن هذه الطبقة اعتادت منذ زمن على الاعتماد على طبقة العبيد في القيام بكل الأعمال اليدوية : الانتاجية والخدمية على حد سواء ØŒ بما فيها الزراعة وتربية الحيوانات والاعمال المنزلية …. الخ ØŒ وتفرّغت هي للحرب والفروسية والتنعم بالحياة ØŒ وتشير الوثائق والعرائض المكتوبة على شكل استعطافات من الأشراف للمسؤولين الروس : لتأخير التحرير ØŒ أو على الأقل لتنظيم عملية التحرير بطريقة موضوعية ØŒ تقلل الخسائر التي ستلحق بالملاكين ØŒ ويمكن التعرّف من خلال هذه الوثائق الي أن مجتمع القبردي كان خلال المائتي عام التي سبقت التحرير على النحو التالي : –

طبقة الأشراف والنبلاء ( السادة ) وتتكون من : –

طبقة الأمراء ПЩЫ
كان مجتمع القبردي أشبه بالهرم ، على رأسه طبقة الأمراء ، وتروي الأساطير أن هذه الطبقة تنتمي الي اينال وابنائه الثلاثة : حطوخشوقه / ميسوست / وقيتوقه . كان للأمير حظوة كبيرة ، فهو المرجع الأول المتحكم في كل أمور مقاطعته ( إمارته ) أو إقطاعيته : هو القاضي وهو السلطة التنفيذية ، هو صاحب قرار الحرب والسلام ، يتبعه الجميع ويدينون له بالولاء والطاعة ، يحق له الاستيلاء على ممتلكات أتباعه بما فيها الزوجات والبنات ، له المقام الأول دائما ، يرافقه التبّع في حركاته وسكناته ، حتى من يلتقيه في رحلاته عليه أن يسير في ركابه ، كل حدث مميّز في حياته وحياة عائلته عيد : العرس – ختان الابناء – انتهاء تدريبات فروسية الابناء ، يتلقى أطفاله تربية خاصة تتولاها عائلة من الورق أو جماعة اللاقولش
ЛIзкъуэ лIэш وتسمى أتاليك ، ومثل هذه العائلة محظوظة فأبناؤها لهم الحق في الرضاعة مع الأمير الصغير ، وهي ميزة كبرى تعطيهم الحق في المستقبل بالأكل مع الأمير ، ويصبح من حقهم الثأر للأمير ، وعلى الأمير أن يثأر لهم .
امتيازات الأمير لا تنهي بوفاته ، فهو لا يدفن في مقابر العامة ، بل يدفن في مقبرة خاصة ، يجمع التراب حول قبره حتى يتحول الي تلة عالية واضحة المعالم ، توضع عليها الانصاب وتزين بالرسوم .

يعتبر الأمير نفسه من سلالة خاصة ØŒ ويجب عليه أن يحافظ على نقاء سلالته ØŒ وعلى مكانته الارستقراطية، فلا يتزوج الا من طبقته ØŒ وإذا تزوّج من غريبة ØŒ فيجب أن تكون العروس أميرة أو ابنة سلطان ØŒ واذا صدف وتزوّج من طبقة أدنى : انتسب ابنه الي طبقة أدني هي طبقة التومابشه “Тумэпщы” ولا يقبل الابن في طبقته الا اذا تزوج من أميرة ØŒ أو اعترف به شقيقه .
قتل الأمير جريمة كبرى ، تختلف عقوبتها باختلاف طبقة القاتل : فاذا كان القاتل من الورق مثلا ، يقتل ويقتل معه أقاربه من الذكور، وتتحول عائلاتهم الي عبيد لورثة الأمير القتيل ، وتسلب أملاك القاتل المنقولة وغير المنقولة . أما إذا كان القاتل من طبقة اللاقوه لش أو من الدجنوقه فيغرم بمبلغ طائل .

اللاقوه لش : ЛIзкъо лIэш

أبناء الجبابرة كما تسمّيهم بعض الروايات ، أبناء ثلاث أسر : تام بي – قودينت – أنزور ، هم أصحاب الأرض الأصليين وملاّكها ، كانت كل أسرة تمتلك مساحات شاسعة من الأرض ، تحمل كل منها أسم اسرة من هذه الأسر ، تغيّر حالهم بعد استيلاء اينال على مناطق القبردي ، فقد اضطروا للاعتراف بسلطته ، وإن احتفظوا بنوع خاص من الاستقلالية ، لهم الحرية في التنقل مع تابعيهم ، هم المديرون لشؤون مناطق القبرطاي الداخلية والخارجية ، لم يكونوا يتزوجون الا من طبقتهم ، أو ممن يساويهم في المستوى من القبائل الأخرى . يمهرون عرائسهم مهر أميرة ، ولم تكن نسائهم تربي الابناء ، فقد كانت عائلات من طبقة أدني ( أتاليك ) تتولى هذه المهمة ، كانوا يعاملون بنفس معاملة الأمراء وكانوا يقدّمون حتى على الأمراء صغار السن .

الدجنقوه Дыжыныкъуэ

طبقة ارستقراطية مساوية للاقوه لش ØŒ ولها نفس الحقوق ØŒ وعليها نفس الواجبات ØŒ لا يتزوجون إلا من طبقتهم ØŒ أو من طبقة مساوية لهم ØŒ هم في الاصل من القبردي أو من القبائل الشركسية الأخرى : البسلاني ØŒ الناخوت ØŒ البجدوغ ØŒ الشابسيغ والاباظه ….الخ ØŒ ممن هم في الأصل من طبقة مساوية للاقوه لش ØŒ كانت هاتين الفئتين : اللاقوه لش والدجنقوه تعيش في قرى منفصلة عن الأمراء ØŒ وتتمتع بحقوق الانتقال مع تابعيهم الي اية منطقة داخل حيازة الأمير .

الورق : Уэркъ

جماعة الأمير القائمين على راحته وخدمته ، يساعدونه في امتطاء حصانه ، يقودون فرسه ، ويحملون أمتعته ، بما فيها الملابس واللوازم الأخرى ، يحضّرون له الطعام في الرحلات ، وهم أدنى من الطبقات الثلاث السابقة ، ويمكن أن ينضم اليها المهاجرون الي أرض القبردي من قبائل الاديغة الآخرى ، ينقسمون الي مجموعات مختلفة منها بشكل أساسي :

الورق شاوه لي غوسه : Уэркъшауэ ЛIыгъусэ

يعتقد أن هؤلاء هم السكان الأصليون لمنطقة القبردي ، وأن الجماعات التي حضرت مع اينال تعاملوا معهم كطبقة أدنى ، هم القوة العسكرية الأساسية للأمة ، هم الفئة المقاتلة التي حققت الأمجاد في ساحات القتال ، فكانوا فخر القبردي والأديغة بشكل عام .

البيسلان ورق :
Быслан уэркъ
كان الورق شاوه اذا تميز بالشجاعة أو البلاغة أو الشهامة ينتمي لهذه الفئة ، وينتمي إليها من نال أعطية من الأمير، وينتمي اليهم المهاجرون من قبائل الاديغة الاخرى ، كانوا رفاق سلاح الأمير، وذراعه التي يعتمد عليها لتنفيذ ما يريد ، وحاشيته التي تزيد من جلال قدره ، يرافقونه في سفراته ، ويشاركون في كل عمل يحقق تطلعات الأمير ، لم يكن البيسلان ورق مقيدا في تبعيته للأمير ، فهو قادر علىتغيير ولائه لأمير آخر ، الا أن هذا يسبب له وللأمير حرجا كبيرا ، لذا كانت مثل هذه الحالات ناذرة ، لأنها تعتبر عارا له ولأميره .
الأرقاء : – ПшылI!

كانت أعدادهم في تزايد مستمر ، ويعود السبب الي مصادر العبيد ، وهي مصدرين رئيسيين :-
Ø£ – أسرى الحرب : – كانت الغزوات في منطقة القبردي ØŒ شأنها في ذلك شأن بقية أراضي الشراكسة متصلة لا تنقطع ØŒ فقد كانت أرض القفقاس مطمع الشعوب والقبائل المجاورة ØŒ وكل أمة تريد أن تقيم لنفسها امبراطورية . كان كل من يقع أسيرا في يد القبردي يتحول الي عبد ولو كان من الأشراف ØŒ لهذا شكلت الحروب معينا للعبودية لا ينضب .
ب – الاستيطان في أراضي القبرطاي ، فقد كان معظم المستوطنين يعملون في الأرض ويتحولون تدريجيا
الي عبيد بحكم الاستمرار في نمط العمل . كان وضع هؤلاء صعبا ، فهم يمضون حياتهم في خدمة المالك ، لا يملكون الا النذر اليسير ، الذي كانوا يحصلون عليه من أعمال في أوقات لا يحتاج فيها المالك الي خدماتهم ، وهم على درجات حسب وظائفهم .
الأوغ :
وهم الذين يقومون بالأعمال الزراعية ØŒ ولكل وظيفة : فمنهم من يعمل في الزراعة والحراثة والحصاد ومنهم من يعمل في تربية النحل ØŒ ومنهم من يعمل خبازا …..الخ

لوغونه أوت:- ЛIэгунэ Iут

وظيفتهم القيام بالأعمال داخل مسكن المالك ، تقوم النساء بالأعمال المنزلية .

لهاتين الفئتين بعض الحقوق ، منها : حق شراء النفس والتحرر ، امتلاك الأرقاء ، ولكنهم اذا تحرروا فقدوا حقهم في كل ممتلكاتهم بما فيها الأرقاء .

الونه أوت : – Унэ Iут

في الغالب مواليد غير شرعيين ،غالبيتهم من النساء، لا حقوق لهم على الاطلاق ، حتى الزواج يكون مؤقتا ، وحسب رغبة المالك ، الرجال منهم أعظم حظا ، فاذا رضي المالك عن أحدهم زّوجه واحدة من فئة اللوغونه اوت ، وفي تلك الحالة يرتفع مقامه فيصبح من هذه الفئة .

مع البدايات المبكرة للنصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت حركة عصيان واسعة بين هذه الطبقة
وبدأت رياح التغيير تنهش في العلاقات الطبقية السابقة ØŒ وفقد الأمراء هيبتهم وتناقصت سطوتهم ØŒ وبدأت العامة تصبح أكثر استقلالية ØŒ وأكثر نزعة للحرية ØŒ وكان لتشجيع السلطات الروسية أثر كبير في هذه الثورة ØŒ فقد منعت الحكومة الروسية سنة 1866 كل أنواع التفريق بين العبيد ØŒ أو نقلهم من مكان لآخر ØŒ قاوم أشراف القبردي هذه الخطوة – ( التي اعتبرها البعض بداية تحرير العبيد ) – بضراوة ØŒ إلا أن السلطات الروسية استمرت في اجراءاتها ØŒ وسمحت لاعداد كبيرة من الأرقاء بالانتقال الي قرى ومناطق أخرى ØŒ وفي 20 نيسان 1867 صادق القيصر على القرارات الصادرة من ادارة القفقاس بشأن تحرير العبيد وأعطي الاشراف مهلة ستة أعوام لتحرير عبيدهم .
هكذا تخلصت منطقة القبردي من هذه الآفة ، وشاءت الأقدار أن يموت آخر الأمراء في العام 1868م لتطوى بذلك صفحة من صفحات العبودية، ويتغير التركيب الهيكلي لمجتمع القبردي الي الأبد .



اضف تعليقا