المراحل الأولى لتفاعل الشراكسة في المجتمع الأردني – جميل اسحاقات

تاريخ النشر على الموقع 28/04/2014

لفهم مجريات احداث السنوات الأولى من التلاقي بين الشراكسة وإخوانهم الأردنيين ، لا بدّ من العودة للتعرّف على طبائع الأمور التي كانت سائدة ذلك الوقت . تشير الوقائع التاريخية إلى أنّ عمّان لم تكن سوى خرائب مقفرة يقطن حولها بعض البدو الرحّل الذين ينزلون إليها طلبا للماء ( ملامح الحياة الشعبية في مدينة عمان – عبد الله ارشيد ) وأنّها وإن كانت مدينة عامرة في زمن ما إلا أنّها هجرت لأكثر من خمسمائة عاما بعد أن ضربتها الزلازل وسكنها الطاعون ، وأهملتها الدولة العثمانية فتحوّلت إلى خرائب خالية من الحياة البشرية ، أما الحالة الاقتصادية والمعاشية للبدو القاطنين حول سيل عمّان فكانت غاية في السوء اقتصاديا ومعاشيا فلم تكن في المنطقة طرق للمواصلات أو عيادات طبية أو مدارس ، فانتشر الجهل حتى وصلت نسب الأمية إلى ما يقارب ال 99% إن لم تزد ، كما انتشرت الفاقة والفقر بين الناس ، ولم يكن في الامكان فلاحة الأرض لعدم توفّر أدواته ولبعد البدو عن الفلاحة ، وبشكل عام يمكن القول أن الشراكسة وردوا منطقة اقل ما يمكن أن يقال فيها أنّها قفر . وكان عليهم مواجهة الظروف الصعبة وبشكل خاص وسيلة التفاهم مع الجيرة ، واستصلاح الأرض بدون الأدوات اللازمة لهذا الاستصلاح وبدون أي عون من أية جهة ، فلم تكن هناك ذلك الوقت جهات مانحة أو معينة .
بدأ الشراكسة باستصلاح الأرض بأدوات خشبية صنعوها لهذا الغرض ، كما حفروا قنوات الماء لسقي بساتينهم ، كان البدو يراقبون هؤلاء الغرباء الممشوقي القامة بلباسيهم التقليدي الجميل وهم يمتطون الخيل بأسلوب متميّز ، ويعرفون وهم المولعون بالخيل أنّ هؤلاء الفرسان لا تنقصهم الشجاعة فأحسّوا بنوع من التقدير لهم ، ولم تنقص من قيمتهم أنّهم فلاحون ، بل كانوا يراقبونهم بكثير من الاهتمام وهم يحاولون استصلاح الأرض البور ويحفرون بأدواتهم الخشبية قنوات الماء .. احترم البدو جهد الوافدين وأحسوا أنهم من طينة غير طينة الغرباء الذين عرفوهم سابقا ، مما خلق في نفوسهم نوعا من الودّ والاحترام . وزاد هذا الودّ أنّ هؤلاء مسلمون على شاكلتهم ، فامتزجت مشاعر التقدير لفروسية القادمين وإعجابهم بالجهد الكبير الذي يبذلونه لإعمار الأرض بمشاعر الودّ الذي يفرضه الدين الإسلامي على المسلمين إخوتهم في الدين . ثم أنّ هؤلاء مسالمون متواضعون لا يحاولون أن يفرضوا أنفسهم على الغير كما كان الغرباء يفعلون من قبل .
بدأ انتاج الأرض من الخضار ومن الأشجار المثمرة فوجد فيها البدو مادة هم في أمس الحاجة لها ، وعرفوا أنّ هؤلاء سيكونون ذوي فائدة لهم ، وقد تأكّد لهم ذلك مع مرور الأيام حين بدأ المهنيون من الشراكسة في ممارسة أعمال النجارة والصياغة والحدادة والأعمال الجلدية وهي أعمال البدو في أمس الحاجة لها (1)، فبدأ نوع من التبادل التجاري أو المقايضة بين المجتمعين وأخذت أعداد من البدو تأتي عمّان والبلدات الشركسية الأخرى لتشتري حاجاتها مما ينتجه الشراكسة مقابل ما ينتجونه من السمن البلدي والجميد والصوف ، ونشأت شراكات وعلاقات صداقة وودّ بين مجموعات من البدو ومجموعات من سكان القرى والبلدات التي أنشأها الشراكسة ، وبدأت مضافات الشراكسة تستقبل أعدادا من شيوخ الزائرين بغية التزوّد بما تحتاجه جماعاتهم .
إلا أن النقلة النوعية في طبيعة العلاقات وحجمها كانت عندما بدأ الشراكسة ببناء مطاحن الغلال التي تعمل على الطاقة المائية ..وبدأت بإنتاج المادة الغذائية الأساس للمجتمع البدوي – الطحين وبكميات كبيرة نسبيا – الذي كان يجد صعوبة كبيرة في طحن الغلال حيث كانت المجتمعات ذلك الوقت تعتمد المطاحن اليدوية التي لم تكن تنتج إلا كميات محدودة من الطحين الخشن وبجهد كبير ولساعات لإنتاج الطحين اللازم لوجبة ØŒ فبدأت جماعات من البدو تقصد عمّان والقرى والبلدات التي أنشأها الشراكسة ØŒ فقد كان الجيرة من التجمعات السكانية المحيطة بوادي السير وحتى مدينة الصلط يأتون بغلالهم لطحنها في مطاحن وادي السير وبكميات كبيرة وبجودة عالية. (2)
اترى هذه العلاقات أمر آخر .. كان تخزين القمح في ذلك الوقت يشكل مشكلة كبيرة لشيوخ القبائل : أولا لأن المحصول موسمي ولا بد من تخزين كميات كبيرة منه لتكفي استهلاك العام وهم في العادة متنقلون ، ثم أنّ تخزين القمح صعب لآنّ القمح يتعرّض لكثير من المشكلات أثناء التخزين مثل الرطوبة وتعرّضه لغزو القوارض ، وهنا تدّخلت الخبرة الشركسية فقد اشتهر هؤلاء ببناء كوى خاصة في تخزين القمح ، وبدأ مجموعات منهم تمارس مهنة تخزين القمح ، فكان الشيوخ يأتون بالقمح لتخزينه عند الشراكسة .. (3)
تزايدت العلاقات بين المجتمعين بمرور الأيام ، ونمت المصالح المشتركة بين الطرفين ، وتزايدت أعداد البدو الذين يأتون للقرى الشركسية لقضاء حاجاتهم وشراء مستلزماتهم وكان كثير منهم وبشكل خاص الشيوخ والأعيان يضطرون لقضاء النهار بأكمله أو المبيت أحيانا ، ولما لم تكن هناك تلك الأيام فنادق فإن مقامهم كان في مضافات الشراكسة ، فقويت العلاقات وتأصّلت وبدأ الشراكسة يتحدثون اللغة العربية كما تعلّم بعض العرب اللغة الشركسية ، وقامت بين الطرفين مصالح متعددة ، وبدأت المصاهرات بين المجتمعين .
توسّعت العلاقات بمرور الأيام ، وتعددت الخدمات التي يقدّمها الشراكسة في بلداتهم فقد اشتهر منهم عدد في ممارسة الطب وبأشكال بسيطة اعتمادا على الأعشاب ، كما اشتهر عدد منهم في معالجة كسور العظام ، فكثر مثلا زوّار عمّان وبدأت جماعات من فلسطين والشام تأتيها طلبا للأمان ، فظهرت حاجة أخرى : النقل ، وكما يقولون الحاجة أم الاختراع فعمل الشراكسة على تطوير عربات لنقل المسافرين تجرّها الخيول وتتنقل بين احياء عمان ناقلة الركاب وأمتعتهم .كما أضافوا في وقت متأخر بعد أن وصلت سكة الحديد لعمان السكة الحديدية للمحراث الخشبي مما ساعد على تحسين عملية الحرث : تسهيلا للعملية وتعميقا ، مما ساعد على زيادة انتاج الأرض .
تزايدت حاجات الناس بالدخول التدريجي في التحضّر فظهرت الحاجة للكيروسين وللأقمشة ولأعواد الثقاب ، فظهرت المتاجر في بلدات الشراكسة ، وبدأت قوافل مشتركة بين الشراكسة والبدو في السفر للبلدات الفلسطينية : القدس وحيفا ويافا ونابلس ، تبيع منتجاتهم من القمح والسمن و الصوف وتشترى في المقابل ما يحتاجونه من الكيروسين و الأقمشة وغيرها .
تزايدت أعداد الوافدين من الشام وفلسطين وبدأت أعداد السكان تتزايد شيئا فشيئا ، فظهرت حاجات جديدة مثل التعليم ، هنا لا بدّ من الاشارة إلى أن الكتاتيب الأولى التي ظهرت في البلدات الشركسية كانت على يد الشراكسة فقد علّم فيها مجموعة من الشيوخ الشراكسة ، كما تبرّع الشراكسة بأموالهم لبناء المدارس الأولى ابتداء من العام 1895م تقريبا واحضروا لإحداها مدرسا من بيروت (4)، وظهر بمرور الأيام مجموعة من الوعّاظ ، كما بنى الشراكسة مجموعة من المساجد لا تزال تحمل نفس الأسماء التي أطلقت عليها عند البناء . (5)

وصل تعداد سكان عمان إلى 18000 سنة 1914 أي قبيل الحرب العالمية الأولى ، وبطبيعة الحال فإن الأمور لم تسر بسلاسة طوال الوقت ، والمجتمعات لا تخلو من أفراد ذوي أمزجة مختلفة ، أو عصبيات أو سوء فهم أو حسد أو توجّس .. فكانت تقوم بعض المشكلات بين حين وآخر بين أفراد من الشراكسة وأفراد من البدو .. تحل بطريقة أو اخرى ، فبالرغم من الحلف الذي عقد بين الشراكسة وبني صخر إثر زيارة الشيخ سطّام الفايز وكبار شيوخ بني صخر لعمّان هاجم بعض البدو في صيف 1900 باط حينا وما تلا ذلك من أحداث ( معركة السيل – سيل زاره ) والاشتباكات التي عرفت باسم بلقاوية زاوة ، يرجع البعض أسباب المشكلات بشكل عام إلى اقتناع بعض البدو أنّ الأراضي التي منحتها الدولة العثمانية للشراكسة أراضيهم ، لكن واقع الحال أن الأراضي لم تكن مسجلة ولم يكن البدو يرغبون في تسجيلها تهربا من دفع الضرائب ، وقد عملت الدول العثمانية على تعويضها عنها فمنحتهم آلاف الدونمات ، أما العامل الثاني فقد يرجع إلى أن البدو رأوا في الشراكسة حضارة جديدة وهالهم منها التفنن باستصلاح الراضي وتدجين الحيوانات الأليفة من المواشي والطيور بقدر ما هالهم اهتمام الشراكسة بزيّهم الراقي بل برقة أجسادهم وسفور بناتهم فتوهمّوا فيهم نعومة الملمس وإصابة المقتل وما أن بدؤوا بمشاغبتهم حتى استبسل الشراكسة في الدفاع عن أنفسهم فقاتلوا بضراروة إلى أن فرضوا الأمر الواقع وخاصة بعد ان ناصرتهم قبيلة بني صخر . حلّت هذه المشكلات وبمساعدة من قبائل بني صخر ، لتعود الحياة إلى طبيعتها .


1- اشتهر عدد من الشراكسة في الحدادة حتى أن بعض الأسر أخذت اسمها من هذه المهنة ، كانوا يصنعون المحاريث والمناجل والسكاكين والشباري والخناجر ، منهم مجيد دخقان
من أشهر الصاغة من الشراكسة : محمد اسماعيل وأمين اسماعيل من القبردي ،ومن الذين اشتغلوا بالتجارة من الشراكسة عثمان حسن ، فؤاد نغوج ، يوسف قورشة ، اسماعيل شركس .
العربات لأغراض تجارية ، وكان أول المشتغلين في هذه الصناعة في عمان الصانع الشركسي : عليم حداد الذي أقام محله في شارع الملك طلال قرب الجامع الحسني ، واشتهر معه صانع شركسي آخر هو تمرغان – الذي كان يعمل في محله في المهاجرين
صناعة السكك اللازمة للحراثة مثل مرقان وابنها محيسن، وصناعة الكرابيج ( جمع كرباج وهو السوط) مثل يوسف صواي ويحي اسماعيل صوبر
2- من أقدم المطاحن المائية مطحنة اسحاقات ( حلاشته ) في وادي السير ومطحنة أحمد الخطيب في عمان

3- من الشراكسة الذين أقاموا مخازن لتخزين القمح على سبيل المثال : عبد الرحيم سعيد شحالتوغ ومحمود أحمد زوقش
4 – . بدأت بالشيخ سعيد 1895 Ù… الذي بعثته الحكومة العثمانية لتدريس ابناء وادي السير ØŒ وبالشيخ جنبلاط في عمان والشيخ سعيد ادريس اسحاقات الذي درس في مصر وعاد ليدرس ابناء قريته 1915Ù… ØŒ والشيخ موسى حاكج 1915Ù… ØŒ بالاضافة الي : محمود باغ ØŒ يعقوب برسيق ØŒ الشيخ صالح تغوج ØŒ باغ ابراهيم ØŒ الشيخ محمود خواج ØŒ ثم جاءت بعدهم في فترة الثلاثينات مجموعة أخرى منهم الشيخ صالح قاربك واسحق رمضان لبزو .
أما المدراس الحكومية في مدرسة وادي السير ( مدرسة أهل وادي السير وأولاد المسلمين وأولادهم ) فقد بنيت في العام 1902م ، فهي بذلك من أقدم مدارس عمان الكبرى .
5 – – مسجد الأبزاح 1903Ù… في الجهة السفلى من القرية ØŒ مسجد البزادوغ ( مسجد وادي السير الكبير ) الذي بني من الحجر الأصفر ØŒ على طراز معماري اسلامي فاخر، حيث فاق في جماله وهندسته ونقوشه وزخارفه جميع مساجد المملكة الأردنية الهاشمية القديمة ØŒ ومسجد وادي السير الأوسط الذي أزاله المرحوم عبد الحميد ألخص وأقام مكانه مسجدا حديثا من الحجر الأبيض والاسمنت ( موسى علي جنب الاخاء العددين 126 -127 ص 19 ) . كان بناء المسجد 1906 Ù… ( كما ورد في السجل الشرعي للسلط ØŒ وقد استعمل في بنائه الحجر الأصفر ØŒ والقرميد الأحمر لتزيين رأس المسجد ØŒ بينما استخدم الخشب المحفور بزخارف السلامية في تزيين سقفه من الداخل ØŒ وثم بناء مئذنة من الحجر الأصفر ØŒ وزودت المئذنة بشرفتين لوقوف المؤذن ØŒ فكان المسجد آية في الجمال ( ناشخو ص 245 )

ملاحظة : المقالة .. مدخل للموضوع وليس بحثا بالمعنى …. ونتمنى ممن يعرف المزيد الاضافة لاستكمال الموضوع



اضف تعليقا