الشركس في تاريخ ايران – د عادل عبدالسلام لاش

تاريخ النشر على الموقع 25/06/2015

يتوجه الموقع بالشكر للدكتور عادل عبدالسلام لاش لتوفير هذا البحث للنشر على موقع CircassianNews.com

الأستاذ الدكتور عادل عبدالسلام (لاش)- جامعة دمشق
(جامعة الكويت 1973-1976)

هذه دراسة خُطت كلماتها الأولى في سبعينات القرن الماضي، أعدت النظرفيها وأدخلت عليها بعض التعديلات على أمل نشرها. لكن الظروف آنذاك شاءت غير ذلك. ونظراً لقلة العارفين من الشركس وغيرهم بمضمون هذا الموضوع وندرته، استحسنت إدراجها على صفحتي ونشىرها، علها تغني معارف المهتمين.

كان برزخ جبال القفقاس في العصور الوسطى، بل وقبل ذلك ومازال، مسرح صراع للقوى الكبرى المحيطة به، و الطامعة بالاستيلاء على هذا الحاجز الاستراتيجي المهم، الفاصل بين شعوب قارتي آسيا وأوروبا. وكان سكانه التناء (الأصلاء) المتعددي الأعراق يدافعون عن ديارهم بشجاعة وتضحيات أسطورية، وبالقدر الذي كان تسمح به قدراتهم وإمكاناتهم المحدودة. لكنهم كثيراً ما وقعوا فريسة القوة الطاغية للممالك الكبيرة والشعوب الغازية، التي كثيراً ما عملت على إبادة القفقاسيين بالقتل والأسر والخطف والترحيل، كما فعل الروس بالشركس في القرن التاسع عشر وما زالوا يمارسون اليوم بحقهم سياسات مشابهة، بأساليب يعتقدون أنها لا تجرمهم. لكن ما يجهله السواد الأكبر من الشركس فهو أن الفرس لم يتخافواعن ركب الغزاة المذكورين، بل فاقوهم وزادوهم بترحيل عشرات الآلاف من الجورجيين والشركس والأرمن و الأوسييتن وغيرهم وتهجيرهم من أوطانهم، وسوقهم إلى بلاد فارس حيث وطنوهم فيها، فانصهروا في البوتقة الفارسية خلال أربعة قرون (بين 1540 – 1950)، كما سيرد في هذا المقال، الذي يوضح جانباَ من المآسي والنكبات الكبرى التي ضربت كيان الأمة الشركسية، وهددت وجودها وما زالت تهدده إلى يومنا هذا. وهو جانب قلما سمع به الشركس و لا يعرفه إلا قلة من الضالعين في المسألة الشركسية. فما هي حقيقة وجود الشركس في إيران.

دخول الشركس إلى بلاد فارس

يرجع وجود الشركس كإثنية غريبة في إيران بحسب المصادرالموثوقة إلى العهد الصفوي، ولقد جاء في الموسوعة الإيرانية (Encyclopaedia Iranica) وفي مادة تشركس (arkasČ) – شركس أو جركس أيضاً -، أن هذه التسمية تطلق في اللغات الفارسية والعربية والتركية وغير الشركسية على الشعب الشركسي الأصيل في شمال غربي القفقاس، والذي يدعو نفسه بـ: (الأديغة Adyge) ويتكلم اللغة الأديغية- الأبخازية. بيد أن الفرس وغيرهم يعممون هذه التسمية أحياناً على الأقوام القفقاسية التي تعيش في ما وراء دربند (باب الأبواب) على ساحل بحر قزوين (الخزر)،وفي القفقاس الشمالي، كما يذكر مينورسكي (لندن 1943). كذلك تذكر الموسوعة الإيرانية أن تسمية شركس (تشركس) ظهرت في أواسط القرن 8 هـ/ 14 م. و هذا غيرصحيح لأن شيوع تسمية الشركس أو الجركس بين الأقوام غير الشركسية قديم، لكن ذكرها مسجلة في الوثائق يرجع إلى منتصف القرن الثالث عشر، وظهرت مدونة في وثيقة رسمية مكتوبة لأول مرة عام 1245م، في رسالة كتبها جان دوبلان دوكاربان موفد البابا إينوسنت الرابع إلى خان المغول (A. Namitok, Paris 1939)، وأصبح الاسم متداولاً في الأوساط الإسلامية في عهود سلاطين الأيوبيين والترك والجركس، وفي عهد دولة السلطنة الجركسية بالذات (1382-1517م) التي عرفت بـ (دولة السلاطين الجراكسة). كما عرفهم الأوروبيون والمسيحيون بهذا الاسم.

ومما لاشك فيه أن الشركس كانوا معروفين لشعوب الهضبة الإيرانية، ولحكامهم منذ القدم. فمعرفة الفرس وغيرهم بالشركس، وهؤلاء بسكان بلاد فارس، لابد وأنها أقدم من دخول الشركس إلى فارس ووجودهم فيها، للتجاور الجغرافي للشمال الفارسي وأذربيجان وما وراء القفقاس مع القفقاسيين الشماليين منذ عشرات القرون. وبشكل خاص منذ أيام السلطنة الشركسية، التي وصلت حدودوها الشرقية إلى التخوم الغربية لبلاد فارس. لكن دخول العنصر الشركسي بأعداد كبيرة إلى بلاد فارس تأخر إلى أواسط القرن السادس عشر الميلادي، حين عادت الجيوش الفارسية الغازية للقفقاس بآلاف الأسرى والمختطفين من الشركس والجورجيين والأرمن من الجنسين ومن مختلف الأعمار، في الحملات العسكرية الأربع للشاه طهماسب إلى القفقاس بين سنتي 1540-1553. وتذكر المصادر أن الشاه المذكور تزوج بأكثر من زوجة قفقاسية، أغلبهن جورجيات وواحدة شركسية تدعى (سلطان آغا خانم). ويذكر (أحمد قمي 1970 وغيره…)، أنها أنجبت منه الأميرة الشهيرة (باري خان خانم Pari Khan Khanum) . التي كان لها دور خطير في تاريخ إيران.

وتذكر المصادر أن العناصر القفقاسية ومنهم الشركس، دخلت المجتمع الفارسي، وكان أغلبهم أسرى حرب ومختطفين من أسر نبيلة الأصول ومن عامة الشعب، هُجِّروا من ديارهم، و وطَّنهم الفرس في مناطق مختلفة من إيران، فهم ليسوا من التُنَّاء (السكان الأصليين)، بل جئ بهم إلى إيران ضد إرادتهم من قبل الجيش الفارسي. كما تم أخذ أكثرالأطفال والنساء الأسيرات إلى البلاط الملكي. وتزوج الشاه والأمراء بعضهن. أما الرجال فتم استخدامهم كأتباع وجنود للشاه. وأقيمت مستوطناتهم على طرق القوافل لحمايتها. وبغض النظر عن كيفية وصولهم إلى إيران كأسرى أو مختطفين أو كجنود وتابعين للشاهات أو محاربين لحماية الحكم، كما كان حال الإنكشارية في السلطنة العثمانية، تمكن الشركس في إيران من ترسيخ وجودهم في المكون الإثني الفارسي، بل والتأسيس لأسر شركسية نبيلة عديدة في الإمبراطورية الفارسية، وخاصة بين من كان لهم نفوذهم في البلاط وتمكنوا من إيصال أنصارهم إلى مناصب رفيعة، منها إيصالهم اثنين من شاهات فارس إلى سدة العرش، كما كان منهم ضباط الجيش والقواد الكبار وحكام المقاطعات. ولقد شكل الشركس قوة لا يستهان بها كجنود أشداء وثقة في الجيش الإمبراطوري. أما في المجتمع الفارسي فلقد عرف عن الشركس اهتمامهم بالزراعة وتربية الأنعام في الريف، وتعدد الحرفيين بينهم في المدن والقصبات. وكان للتزاوج بين الفرس والشركس انعكاسات فيزيوغنومية بارتفاع نسبة جمال الفارسيات.

أما دور الشركسيات في البلاط الفارسي فكان بارزاً وخطيراً، بتدخلهن بشؤون الدولة والحكم. إذ نافست أعداد من القفقاسيات من ذوات النفوذ في البلاط، نافسن نسوة البلاط من القزلباش على السلطة، خاصة بعيد وفاة الشاه طهماسب سنة 1576م. حين دعمت كل واحدة منهن أبناء جلدتها في السلطة والحكم في البلاط وخارجه، وسعت إلى إيصال مرشحها إلى العرش. فبعد وفاة الشاه اسماعيل خلفه ابنه (طهماسب) وكان ابن عشر سنوات، وقد بقي في الحكم 52 عاما لحين وفاته عام 1576 .. وقد قويت في عهده الذي اتسم بفتوحات وتوسعات كثيرة ، قويت سطوة قادة القزلباش (ذوي الأصول التركية من أخواله)، الذين استشرت بينهم الخلافات، وانتشرت النزاعات بين قبائلهم، مما جعل الشاه والأسرة الحاكمة وأتباعها والفئات الفارسية تسعى للحد من نفوذ القزلباش والتخلص منهم. وذلك بتقوية الجيش بعناصر شركسية وقفقاسية أخرى لمواجهة القزلباش. إلا أن الأخطار التي تمثلت حينئذ بالأوزبك المعادين للفرس في الشرق، والذين كان يقودهم قائد شرس اسمه (عبيد خان)، وكذلك الأخطار التي ظهرت في الغرب باستيلاء العثمانيين على بغداد عام 1534 ، وعلى تبريز (عاصمة الصفويين) وإجبارهم فارس في النهاية على توقيع اتفاقية مُذلة مع العثمانيين استمرت 30 سنة، أجلت هي وغيرها من أخطار كانت محدقة بالإمبراطورية الفارسية في تلك المرحلة، وأوقفت محاولات التخلص من النفوذ القزلباشي.

و بالمقابل أخذ النفوذ الشركسي يتنامى في البلاط الصفوي، عن طريق نفوذ الشركسيات في البلاط. إذ يجمع مؤرخو العهد الصفوي (أمثال سافوري، وفلسفي وغيرهما) على اعتبار(باري خان خانم)، التي كانت ذات نفوذ وتاثير كبيرين في البلاط الإيراني، ويصفها (اسكندر بيغ-بيك- وغيره..) أنها كانت ” أكثر أميرات البلاط ذكاءاً”، وأن ” رأيها ومشورتها كانا موضع تقدير من قبل والدها”، ويعتبرها المؤرخون أنها صانعة للملوك في مناسبتين، بمساعدة الشركس الذين شكلت منهم حولها وحول أخيها سليمان ميرزا، وخالها (شمخال سلطان) الشركسي، ما يمكن تسميته باللوبي أو الحزب الشركسي. وكانت تعد أقوى شخصية نسائية منحازة إلى قوم أمها الشركس، كما كانت محبوبة وذات تأثير واسع بين زعماء قبائل البلاد.

ففي المناسبة الأولى أوصلت باري خان،إسماعيل ميرزا، خليفة الشاه طهماسب، إلى العرش بعد وفاة الشاه سنة 1576م. وذلك بمساعدة خالها (شامخال سلطان)، و(جمشيد بيغ) الشركسي وبمساندة قوة مؤلفة من 300 شركسي. أما في المناسبة الثانية فكانت وراء إيصالها (سلطان محمد خودابند) إلى سدة العرش الإيراني أيضاً. لكن هذاالشاه أدرك أخطار النفوذ الشركسي بزعامة باري خان على الحكم وشؤون الدولة والبلاد، فقام وبتحريض من زوجته بإعدامها مع خالها. ومع ذلك فإن تأثير الشركس في الشؤون الإيرانية ونفوذهم في البلاط الصفوي لم يتوقف. إذ عاد للظهور في عهد حكم الشاه عباس الأول. حين برزوا على مسرح الأحداث وبقوة مرة ثانية منذ بدايات القرن السابع عشر الميلادي. إذ تذكر الوثائق أن 130,000 فرداً قفقاسياً من الجنسين وشتى الأعمار قد سيقوا سنة 1616 إلى إيران من القفقاس الجنوبي في غزوة الشاه عباس الأول لمنطقتي كاخيتيا وكارتلي (جورجيا اليوم) ومناطق القفقاس الأخرى، وكان أغلبهم من الكرج (الجورجيين)، إضافة إلى أعداد مهمة من الشركس، ومن الأرمن والأستين وغيرهم من أقوام القفقاس.

ولقد تمثل نفوذ الشركس في بلاط الشاه عباس الأول عن طريق أحد الشركس المقربين من الشاه ،هو(فرهد بيك). الذي كان صقار الشاه الذي رقاه إلى (أمير الصيد). لكن الشاه شك بقيام علاقة تآمرية مشبوهة له مع الابن الأكبر للشاه، وهو (محمد باقر صافي ميرزا)، ابن زوجة الشاه الشركسية الأصل. فقام الشاه بتسليم فرهد بيك إلى الأميرالابن، الذي قتله فوراً. لكن الأمير ما لبث أن قُتل علي يد شركسي من أتباع الشاه يدعى (أوزون بِهبود بيك) بأمر من الشاه الأب نفسه. ولقد جرى ما جرى بسبب شكوك الشاه بتآمر أبنائه عليه طمعاً بالعرش. ومع ذلك استمر دور الشركس مؤثراً في الشؤون الإيرانية والدولة حتى ما بعد تنظيم الدولة في عهد الشاه عباس الأول، وهو تنظيم حد من سلطة الشركس و نفوذهم في إيران. لكنه عاد فانتعش في عهد الشاه عباس الثاني، ووالدته الشركسية.

تمثل دور زوجة الشاه صافي الأول ووالدة الشاه عباس الثاني وهي (آنّا خانم الشركسية) التي عرفت بـ (الخانم الوالدة الحكيمة)، بقيامها بدور الوصية على ابنها الشاه الصغير السن، فكانت الحاكمة الفعلية لفارس من 1642 حتى وفاتها، 1647. فبعد تنصيب محمد ميرزا شاهاً لإيران باسم (عباس الثاني) سنة 1642 وكان عمره أقل من عشر سنوات، أصبحت والدته (أنا خانمAnna Khanum ) الحاكمة الفعلية للإمبراطورية، فكانت الآمرة الناهية فيها بمساعدة الوزير الأكبر(سارو طاقي)، وتمكنا سوية من تنمية البلاد ونشر الاستقرار والأمان فيها، بينما كان الشاه يكمل دراسته في قزوين. وتذكر المصادر أن أنا خانم كانت واسعة النفوذ وحاكمة مطلقة ، وتمكنت بمساعدة الوزير سارو طاقي من إدارة البلاد، وإخماد الثورة التي قام بها الجنرال رستم خان وقتله إثر ثورته على الحكم الصفوي ومحاولة خلع الشاه. كما قضت على الثورة القبلية البختيارية ضد الشاه سنه 1644. لكن مجموعة من الضباط اغتالت الوزير طاقي، وجاءت بـ (خليفة سلطان) إلى العرش سنة 1645 وبقي في السلطة حتى سنة 1654.

لكنني أعتقد أن أبرزدور قامت به الإثنية الشركسية في تاريخ الإمبراطورية الفارسية، هو دورها السياسي الخطير في تقليص نفوذ جماعات القزلباش وتسلطهم على البلاط والشاهات وعلى العباد، وعدم انصياعهم لحكام البلاد. إذ من المعروف أن الدولة الصفوية تدين في قيامها إلى تجمع القزل باش القبلي. لكن حكام فارس ومنذ عهد الشاه طهماسب Tahmasp)) الأول بل وفي عهد من سبقه أخذوا يضيقون ذرعاً بتزايد قوة القزلباش خاصة وبخطرهم عليهم وعلى الدولة، فأخذوا يبحثون عن من ينقذهم، فوجدوا الحل لدى الشركس والقفقاسيين الذين جاء بهم الشاه طهماسب من القفقاس، والاعتماد عليهم لإيجاد نوع من التوازن بين مراكز القوة و لردع القزلباش عن التمادي في تسلطهم. فكان طهماسب أول من كسر طوق نظام النفوذ القزلباشي، في بلاد الفرس باعتماده على العناصر القفقاسية التى أدخلها البلاد واصبحت من شرائح المجتمع الفارسي، من الجورجيين والشركس وغيرهم، و كانوا من المسيحيين والوثنيين. وبدأ طهماسب، وبتأثير من زوجاته القفقاسيات الأربع (ثلاث جورجيات وواحدة شركسية) بتقليم أظافر الفرق العسكرية من القزلباش، وبتكوين شريحة جديدة من العناصر المذكورة في المجتمع الفارسي، و بتأسيسه نظام (برنامج الغلمان) ، الذي استكمله ورسخ أركانه الشاه عباس الأول، الذي قام بعزل حكام أغلب المقاطعات من القزلباش عن مناصبهم وعين قفقاسيين مكانهم، كما رحَّل مجموعات القزلباش من ديارهم وبعثرهم في مقاطعات إيران، ففكك عرى ترابطهم القبلي. وقوى برنامج الغلمان واستكمل بنيانه بتشكيل فرق مقاتلة شركسية وقفقاسية بلغ عدد أفرادها 15.000 فرد وفارس، ما لبث أن زادهم إلى 40.000 شركسي وقفقاسي. بما فيهم الحرس الإمبراطوري المؤلف من الغلمان أيضاً، إضافة إلى كتائب حملة البنادق وسلاح المدفعية. وكان معظمهم من الفرسان الجورجيين و الشركس و الأرمن الذين اُدخِلوا الإسلام ويدينون بالولاء الخالص لشخص الشاه، وليس لزعامات قبلية كما كان الوضع بالنسبة للقزلباش. وكان برنامج الغلمان يضم الإثنيات المسيحية في القفقاس (الجورجيين، الكرج، والأرمن وغيرهم)، وفئات مسيحية ووثنية من الشركس. إذ لم يكن الإسلام قد وصل بلادهم في القفقاس الأوسط والغربي الشماليين حينذاك. ولما كان الشركس والقفقاسيين من القوى المحاربة المخلصة للشاه وطليعة مقاتليه كان من السهل على الحكام الصفويين كسر شوكة القزلباش وغيرهم من الطامعين في حكم البلاد.

ويشبه المؤرخون الكتلة الشركسية – القفاسية في الجيش الإمبراطوري الفارسي بقطعات الجيش العثماني من الإنكشاريين المسيحيي الأصول. وكان قبولهم في الجيشين المذكورين يتم بعد تأهيلهم إسلامياً وعسكرياً. وكان تدريبهم على فنون القتال على يد مستشارين إنكليز على رأسهم روبرت شيرلي زوج الأميرة الشركسية المسيحية تيريزا سامبسونيا، فكانوا من أقوى الفرق العسكرية في الإمبراطورية. ولتوفير الرواتب والنفقات االضرورية لهذه القوات المتزايدة، لجأ الشاه إلى توسيع مساحات (أراضي التاج) على حساب الأراضي الأميرية، والحكومية الأخرى، كيلا يمس واردات خزينة البلاط الملكي. كما قام بنقل العاصمة الى أصفهان. ومن أبرز الشخصيات الشركسية التي برزت في زمن حكم عباس الأول، كان الأمير(قَزاق خان) الشركسي أمير مقاطعة شِروان 1624-1625 ، الذي تم تعيينه (أميراً للأمراء) وقائداً لكتائب القزلباش- كتائب القرمانلو والكينسلو- وآمرهم المطلق. فكان المنفذ الفعلي للقضاء على نفوذ القزلباش، وتنحية زعمائمهم عن قيادة القطعات العسكرية القزلباشية، ووضع قواد شركس وقفقاسيين مكانهم. ومما جذَّر النفوذ الشركسي وعمقه في إيران، كون الكثير من الشاهات مثل الشاه عباس الثاني والشاه سليمان الأول وزوجات غيرهم، والأمراء والأميرات وحكام المقاطعات والقواد العسكريين، من أصول شركسية صرفة أو من أب شركسي أو أم شركسية،كما كان العديد من النبلاء الصفويين في البلاط الفارسي شركساً، أو أن أمهاتهم شركسيات.

لكنه وبعد سقوط الدولة الصفوية فإن النفوذ الشركسي في إيران تراجع تراجعاً كبيراً، كما انقطعت أخبارهم بعد زوال نظام تجنيد الشركس. لكن بقاياهم في البلاد بقيت معروفة وآثارهم ملموسة على الرغم من اندثارها التدريجي. بحيث لم يبق من مواطن وجودهم سوى جزر متفرقة في المدن وفي مقاطعة فارس، وغيرها، حيث يذكر الـ (فاسائي في : فارس- نامة 1967) اسم (قبيلة تشركس) في مقاطعة فارس كمثال على ذلك.

الشركس في العهد القاجاري

لم يتوقف وصول الشركس إلى إيران بعد زوال الحكم الصفوي، واستمر في عهد السلالة القاجارية. وكان مجيئهم في هذه المرحلة من القفقاس الشمالي الغربي والوطن الشركسي بالذات، نتيجة لاحتلال الروس بلادهم وطردهم منها بعد حرب إبادة ضروس بين الشركس والغزاة الروس دامت أكثر من قرن و انتهت سنة 1864 هُجِّر أغلب الشركس فيها إلى الإمبراطورية العثمانية، ووصلت أعداد قليلة منهم إلى إيران القاجارية. حيث وصل بعضهم إلى مناصب عـالية في إيران، وبشكل خاص فيما عرف بـ (الفرقة القوزاقية الفارسية) في الجيش الإيراني، التي كان كافة أفرادها إما من الشركس الإيرانيين و من الإيرانيين القفقاسيي الأصول، إضافة إلى عناصر قفقاسية جديدة حصراً. ولقد برز تأثير شركس هذه المرحلة في العمل العسكري في الفرقة المذكورة. إضافة إلى أن القاجاريين لم يتمكنوا من الاستغناء عن خبرات الشركس السابقين وخدماتهم،وعملهم لدى السلالات الحاكمة السابقة، وضلوعهم في أمور الإدارة وشؤون البلاد المختلفة. لذا لم تتردد السلالة القاجارية (بل وحتى السلالة البهلوية) من الاعتماد على الكـوادر الشركسية في إدارة الدولة الداخلية، بل وفي علاقاتها الخارجية.

(مقابلة شخصية مع عميد كلية الحقوق في جامعة طهران سنة 1974 أكد فيها الدور المهم للشركس في تاريخ إيران ).

وشركس إيران اليوم أقلية إثنية تعرف بـ (تشركس) وبـ ( قجر أديغه Къэжэр Адыгэхэр ) أحياناً، ويختلفون عن شركس الشتات في الشرق الأوسط، من حيث أن وجودهم في بلاد فارس يرجع إلى العهدين الصفوي والقاجاري، مع وجود قلة منهم ممن هاجروا إليها في القرن التاسع عشر. وتسمية (قجر أديغهر)، وإن كانت تعني في اللغة الشركسية (الشراكسة القاجار) وتطلق على الفوج الشركسي المتأخر الذي دخل إيران في زمن السلالة القاجارية الحاكمة، فإنها اصبحت تشمل اليوم كافة أفرادالإثنية ذات الأصل الشركسي من العهدين الصفوي والقاجاري أيضاً.

وأخيرأ وليس آخراً فإنه وعلى الرغم من السياسة الفارسية المتشددة في تمثيل وصهر الأقليات العرقية منذ منتصف القرن السادس عشروإلى يومنا هذا، تجاه الشركس وغيرهم في إيران، حافظ الشركس على هويتهم الإثنية زمناً طويلاً، لكنهم فقدوا لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، عدا عدة مئات من المعمرين ومن شركس العهد القاجاري ( قجر أدِغهر، أي الشركس القاجاريون)، الذين بقيت منهم أعداد قليلة جداً يتكلمونها أو يفهمونها اليوم. كما ترك الشركس أو أكرهوا على ترك معتقداتهم فاصبحوا اليوم مسلمين.

الرحالة والشركس في إيران

لا تتوفر لنا معلومات وافية عن الشركس في إيران بعد الفترة الصفوية، وجل ما وصلنا هو ملاحظات تركها رحالة و بعض من الرواد الأوروبيين، زاروا تجمعات وقرى في مقاطعة فارس بين أصفهان وشيراز، في القرن السابع عشر وما بعده، أقدمها ما ورد في رحلة بيترو ديللا فاله 1621 (Pietro della Valle) الموسومة بـ : Travels in Persia. London 1811. P 100. وهو رحالة مر وهو في طريقه إلى شيراز وعَبَر المنطقة في تشرين الثاني (اكتوبر) سنة 1621، ويذكر الشركس والجورجيين بقوله أنه شاهد أثناء مروره في منطقة (أسباس أو أسوباس, Asupas Aspas) وغيرها من القرى عند تفرع الطرق القديم الواصل بين أصفهان وشيراز تجمعات شركسية إذ يقول:

“شاهدت في كوشك-ي-زار عدداً من البيوت المأهولة من الجورجيين والشركس أسكنهم فيها النظام الحاكم” . كما يذكر أن سهل أسباس كان يضم : ” عدداً من التجمعات السكانية الشركسية والجورجية”، ويتحدث عن قرية ماهين أو(مائين) الواقعة على الطريق بعيداً قليلاً باتجاه شيراز(جنوباً) بـ” أنها مأهولة بالشركس والسكان المحليين”. (ص. 101) ويذكر ج. لا سترانج أن مائين (أو ماهين) كانت بلدة كبيرة غنية. تصدر العنب وغيره.

أما الرحالة الثاني فهو السير توماس هربرت (Sir Thomas Herbert) الذي مر بالمنطقة أثناء سفره من شيراز إلى أصفهان سنة 1627. وكتب يقول:
” وصلنا في الليلة التالية ألى أسبوس (أسوباس)، وهو موقع يمكن ملاحظته من قلعة قديمة كانت تستخدم أحياناً ثكنة، وهي وما حولها مأهولة- كما قيل لنا- بما لايقل عن 40000 من الجورجيين والشركس الذين يدينون بالمسيحية، وهم في حال أحسن بقليل من حال أسرى سجناء تم نقلهم إلى هنا …….يفترقون عن المسلمين (المحمديين) لا في اللباس ولا في السلوك، بل بلون أعينهم الشهلاء….. ولما سمعتْ هذه الأرواح المسكينة أننا مسيحيون لم يتجمهروا حولنا فحسب بل بكوا لرؤيتنا….”. (لم يكن الإسلام قد وصل إلى بلاد الشركس بعد، إذ كان منهم مسيحيون حتى أواسط القرن الثامن عشر).

كذلك ينقل (بيراوبرلينغ) (1963) أن رحالتين فرنسيين اثنين هما جان- بابتيست تافيرنيه، و جان دو تيفانو زارا المستوطنة القفقاسية في أسوباس في شهر شباط من عام 1665، وهما في طريقهما إلى شيراز. فيذكر الأول أن سكان أسوباس كلهم من أصول جورجية تحولوا الآن إلى مسلمين، ويكتب أنه في اليوم التالي لمغادرته أسوباس مر في سهل أعطاه الشاه عباس الأول للجورجيين لزراعته. في حين يقول الثاني، تيفانو، أن سكان كوشك-ي- زار وأسوباس هم شركس، وأنهم يصنعون الخمر ويبيعونه، لكنهم يجلبون العنب من بلدة مائين.

كذلك تحدث عن المستوطنة الشركسية- الجورجية في اسوباس عدد ممن زاروها بعد من تقدم ذكرهم، أمثال حسان فاسائي (1895)، وغوستاف ديمورغني (1913)، وأوليفر غارود (1946). وأشار أغلبهم إلى ما آلت إليه أحوال أسوباس من خراب وبؤس. ويذكر بيير أوبرلينغ، الذي يعد حجة في إثنيات إيران الحديثة، أن البقية الباقية من الجماعة الشركسية تعيش اليوم (خمسينات القرن العشرين) في بلدة (ديز-ي-كورد Dez-e-Kurd) الواقعة على بعد بضعة كيلومترات (الصح قرابة 55 كم . وليس بضعة كيلومترات.ع.ع) شمال غربي أسباس، حيث يمكن للمرء أن يجد أثاراً ملموسة للمستوطنة الشركسية الواسعة، التي شغلت المنطقة وأحتلتها في يوم من الأيام. ويكتب أنه اجتمع في عام 1957 بزعيم شراكسة ديز-ي-كورد في شيراز. فيقول:

” كان رجلاً كهلاً جداً اسمه شيرزاد فيروزبور، وكان مرة حاكم -عمدة أو مختار- تلك القرية. وقد أخبرني ان جماعته تتألف من مجرد120 شخصاً يُدعون شركساً، القسم الأعظم منهم فلاحون وهم شيعيون ويتكلمون اللورية مثلهم مثل بقية سكان القرية”.

ويبدو أن داراب خان قاشقاي جد الرؤساء الحاليين للاتحاد القبلي للقاشقاي كان ابتاع ثلثي قرية ديز-ي-كورد والباقي كانت أملاك وقف. فكانت النتيجة أن بقي شركس ديز-ي-كورد اتباعاً لأسرة القاشقاي الحاكمة سنوات طويلة. ولكن ومنذ بضعة سنوات- والكلام مازال لأوبرلينغ- مضت قام محمد قولي سانيبور، وهو صاحب متجر شركسي سابق في ديز-ي-كورد، وبمؤازرة من صديق له من شيراز، قام بشراء الثلثين المذكورين واستعادتهما من القاشقاي، منهياً بذلك علاقة الشركس بهذه الإثنية التركية المتسلطة. كذلك يذكر الجنرال حسين علي رازمـــارا) 1954) قرية قريبة من ديز-ي-كورد تحمل اسم (قلعه تشركس) يسكنها 562 نسمة يتكلمون الفارسية والتركية واللورية، واسمها يدل على أنها كانت ثكنة شركسية سابقاً. وبحسب أقوال زعيم قبيلة من القاشقاي يدعى مالك منصور خان- والكلام ما زال لأوبرلينغ- يعيش قلة من الجورجيين حول ديز-ي-كورد، في مجتمع مفكك خلافاً للمجتمع الشركسي المتين الترابط” إ.هـ.

وجاء في الموسوعة الإيرانية أن عباس الأول كان قد جلب الجورجيين والشركس إلى إيران لحماية طرق القوافل الرئيسية، وبصورة خاصة طريق أصفهان (العاصمة) وشيراز. وهم اليوم في أغلبهم إثنية قفقاسية فقدت ثقافتها ولغتها ومعتقداتها الدينية، وانصهرت بالمجتمع الإيراني. ومع ذلك مازال الباقون من شركس إيران يحافظون على هويتهم كمجموعة صغيرة متماسكة من السكان، مثلهم مثل الأرمن الذين حفظتهم الكنيسة الأرمنية من الضياع، خلافاً للجورجيين الذين فقدوا كل شئ تقريباً. ومع ذلك نجدهم محافظين في الحدود الدنيا على أصولهم في مناطق خارج مقاطعة فارس.

ويرى فلاديمير مينورسكي (لندن 1943، ص. 18) ” إن تسرب القفقاسيين إلى بلاد فارس هي ظاهرة مهمة جداً عدلت وحورت الأسس الاجتماعية للطبقات الحاكمة. حيث ترك أسرى الحرب والمختطفون من الجورجيين والأرمن والشركس الذين رحلهم الشاه عباس الأول في حملاته على القفقاس عن ديارهم بعشرات الآلاف من الجنسين ونقلهم إلى إيران، تركوا بصماتهم في المجتمع و حكامه”.

والخبر التالي الذي نشر على شبكات النت، يبين بصمة التزاوج الإيراني- الشركسي.

)إيران تتربع على عرش الجمال :كلوديا لينكس اجمل امرأة على وجه الكرة الارضية) كلوديا لينكس تنحدر من اب ايراني وام شركسية . موقع العرب وصحيفة كل العرب – الناصرة الاربعاء, 07 تموز 2010 20:45:22 :

فازت عارضة الأزياء والمغنية الكندية ذات الأصل الإيراني “كلوديا لينكس” والبالغة من العمر 19 عاماً ، بلقب أجمل امرأة على وجه الأرض في أحد الاستطلاعات التي تمت على شبكة الإنترنت. العارضة ذات البشره البرونزيه والشعر الناعم تنحدر من أب ايراني الاصل وام شركسيه من القوقاز، وهي تعرف ايضا باسم “شقايق”.ولدت “كلوديا” في العاصمة طهران ثم رحلها أهلها إلى النرويج في عامها الثالث لتبدأ بتصوير إعلانات الأطفال ، ومن ثم توجهت إلى كندا لتعمل كممثلة صغيرة ، هذا بالإضافة لعملها كعارضة أزياء محترفة ، ومترجمة و مغنية.

إلى إيران بحثاً عن الشركس

كانت رغبتي في معرفة مواطن الشتات الشركسي في العالم قد تحولت إلى أكثر من رغبة أو هواية، فأصبحت شغفاً غريزياً لازمني طوال حياتي ومازال. وكنت قرأت مقالة في مجلة ((Caucassian Review 1963 التي كانت تصلني في دمشق، حول (الجورجيون والشركس في إيران) لأوبرلينغ، فاستغربت ما جاء فيها، لأن معارفي عن شركس الشتات كانت محصورة في مستعمرات الإمبراطورية العثمانية وحسب. لكن ظروفي حينها لم تسمح لي بمتابعة أمر الشركس في إيران، إلى أن عملت في جامعة الكويت بين سنة 1973 و 1976 ، وقمت بثلاث رحلات إلى إيران خصصت الأخيرة منها للبحث عن جذور الشركس فيها.

بدأت بحثي الشخصي عن الشركس في إيران في مدينة شيراز التي وصلتها في 28 كانون الثاني سنة 1975، حيث أرشدني مدير الفندق إلى شخص يمكن وصفه بشيخ حارة، وهو شخصية معروفة من تجار الأقمشة والسلع السياحية في بازار وكيل، يقع متجره باتجاه قهوة خانة سنتي عتيق في وسط المدينة، يعمل عنده شخص يعتقد أنه شركسي الأصل حسب قول صاحب الفندق.

وجدت المتجر بدلالة قصاصة ورق تحمل الاسم والعنوان. وكان صاحبه رجلاً وقوراً يتكلم العربية ولو بصعوبة. ولما عرفته بمطلبي أرسل غلاماً يعمل عنده، عاد بعد نحو ربع ساعة وبرفقته رجل أبيض البشرة عمره بحدود 50-55 سنة، يدعى (اشكان ميرزا رزا)(رضا). ذكر لي أن “أجداده شركس قدماء وهم من منطقة أسباس، وهو ابن مزارع كان يعمل في زراعة قصب السكر في الأحواز (خوزستان)، التي نمت وازدهرت في إيران منذ أيام الثورة البيضاء” التي بدأت سنة 1963، كما ذكر أنه ” كان يعيش في مدينة كازرون ثم انتقل منها واستقر في شيراز، يتكلم الفارسية واللورية وبعض العربية”. وقال أن “هناك الكثير من الأسر الشيرازية من أصول شركسية أو شركسية الأب أو الأم، لايتكلم أي منهم اللغة الشركسية، لكنهم يعرفون وجبة دجاج خاصة وفطائرخاصة بهم، كما أن زواجهم داخلي، إلا ماندر (مثل حالته، إذ أن زوجته من قبيلة دارره شوري إحدى قبائل القاشقاي) “. وكان أهم ما ذكره بالنسبة لي أن “جد أبيه كان يعرف بـ : (مشوست). بحسب رواية جدته”. (ومشوست اسم علم ذكر شركسي عريق معروف. ع.ع.) لم يستطع نطق الاسم بالحركات الشركسية الصحيحة، لكنه كتبه لي بالحرف الفارسي العربي. وذكر أن الشركس “لا يعرفون عن أصولهم وتاريخهم سوى اسمهم وترابطهم كمجموعة سكانية إيرانية”، ولما ذكرت له اسم ديز-ي-كورد، أجاب أنه سمع بها،كما سمع بقرية قربها تسمى (تشركس) وذكرأن أغلب سكانهما يحملون كنية شركس أو ينتمون إلى مجموعة تحمل هذا الاسم”. وأتفقت أقوال اشكان مع ما ذكره أوبرلينغ من أن أكبر تجمعاتهم كانت في منطقة أسباس و مائين ( بضع أسر) وديز-ي-كورد، وأن كثيرين ممن يعرفهم هم من الأخيرة في الأصل. لكن اشكان أضاف اسم موقع (تشركس)، الذي لم يذكره أوبرلينغ أو غيره. مما حمسني لزيارة المنطقة. فسافرت في اليوم التالي من شيراز إلى مدينة ياسوج الواقعة إلى الشمال الغربي، والطريق اليها جيدة تمر بكلستان ثم قرية دالين وتجمعات سكانية عديدة في منطقة دامغانات وبهرغان وبلدة أردكان. حتى ياسوج التي أمضيت ليلتي فيها،واستفسرت عن موقع قرية تشركس، وغادرت ياسوج في صبيحة اليوم التالي متجهاً شرقاً على طريق معبدة لكنها وعرة وجبلية في أغلب أجزائها، تسير في بقاع جرداء شبه خالية من العمران، إلا من وادي كاكان حيث توجد قرية علي أباد، وباسداران، ثم خارستان سفلى، وسعادت أباد ومنها إلى بلدة تشركس، التي دخلتها من جهة الجنوب بعد تزودي بالوقود من محطتها الوحيدة في الجوادية.
لم يكن من العسير علي إيجاد من أحادثه وأسأله، لأن وجودي في هذه المنطقة شبه المعزولة، و لايقصدها الأغراب أو السياح دفعت السكان قرب الدكاكين للتجمهر حولي لمحاولة التعرف علي، و مما زاد في فضولهم وتجمهرهم حولي، كان قراءة لوحة سيارتي الكويتية. التي أخذت تساؤلاتهم تُكرِر اسم (الكويت).ومن حسن حظي أن عقبة اللغة تذللت بحضور رجل دين فارسي يتكلم العربية باللحن الفارسي. إضافة إلى رجل أمن يتكلم التركمانية القريبة من اللغة التركية التي ألم بها. و بسؤالي عن اسم قريتهم، علمت منهم أنه اسم قديم ونسب لسكانها الأوائل من الشركس أجدادهم، الذين بنوا مساكنهم في موقع قرية تشركس القديمة، وبعض البيوت في ديز كرد في الشمال. ثم توسعت القرية لتشمل اليوم حي (تشركس) وحي (رئيسيان) جنوبه، وحي (جدول نو) في الشرق منه، ومع توسع القرية باتجاه الجنوب قام حي اسمه (تشركس شرقي). ولما استفسرت عن قرية ديز كورد، ذكر الإمام أنها ليست قرية بل هي مزرعة صغيرة في أعلى الوادي الذي قامت عند مخرجه من الجبال قرية تشركس الحالية. ولما سألتهم إن كانوا شركساُ ويعرفون معنى الاسم تعددت الإجابات وتبين أن أغلب الحضور ينتمون إلى حمولة أو أسرة (تشركس) وأنهم ليسوا فرساً أو لوراً أو قاشقاياً…وأن أصلهم ليس من هنا. وقبل أن اطرح أهم ما أبحث عنه، وهو ما إذا كانوا يتكلمون اللغة الشركسية، فاجأني الشرطي عن سبب كل هذه الأسئلة، فأجبته والحضور الذين زاد عددهم إلى العشرات، بأنني شركسي آت من سورية، وأعمل في جامعة الكويت، وأن اسم القرية جذبني للزيارة، فعلا الاستغراب الوجوه، وارتفع اللغط. ولما سألتهم إن كان هناك من يتكلم الشركسية نفى أغلبهم ذلك. لكن الإمام ذكر أن بعض المسنين في القرية يعرفون اللغة الشركسية دون أن يتداولوها.

بعدها أخذ الحديث منحى لم أتوقعه، إذ انهالت علي الأسئلة حول إمكانية عمل الكثيرين من الحضور في الكويت، لسوء الأوضاع المادية لنسبة كبيرة من الشباب وغيرهم. إذ القرية ريفية فقيرة تعتمد على الزراعة فقط. ورجاني كثيرون منهم مساعدتهم في إيجاد عمل لهم في الكويت. وذكرني الأمر بطلب عميد كلية الحقوق في جامعة طهران سنة 1974 حين رجاني أن أسعى له بالعمل في جامعة الكويت. غادرت بعد ذلك قرية تشركس عائداً إلى مدينة يوساج التي بت ليلتي فيها ومنها عدت إلى شيراز. وهكذا اختتمت زيارتي لاقليم شيراز وفارس، حيث تبين لي أن أوبرلينغ لم يذهب إلى قرية تشركس ولا إلى ديز-ي-كورد، واكتفى بما سمعه من شيرزاد الذي يذكره أنه كان مرة (مختار) قرية ديز-ي-كورد.

وفي شيراز قابلت في مطعم قريب من الفندق اثنين من أصول جورجية، لا يتكلمان الجورجية، بل الفارسية ويعرف أحدهم مبادئ اللغة الروسية. وفهمت منه أنهما من أصفهان، وهما في زيارة لشيراز، وبسؤالهما عن الشركس في إيران، ذكرا أنهما “يعرفان بوجود أسر شركسية الأصول في مدينهة أصفهان، وأن أعداداً من أسر أخرى شركسية يتكلم معمروها اللغة الشركسية تعيش في منطقة فريدون بين أسر جورجية كثيرة”. فما كان مني إلا أن قررت السفر إلى أصفهان للسؤال عن بقايا أسر شركسية فيها. وفي طريقي إلى أصفهان تركت الطريق الرئيسية (شيراز- أصفهان) عند بلدة سورماق (سرمق) لزيارة أسوباس، التي وجدت أنها تتألف من عدة قرى (6-7) أكبرها قرية أسوباس. التي تبعد عن قرية تشركس الواقعة إلى الغرب منها مسافة 55 كم. ومجموع سكانها كما ذكر بعضهم هو بحدود 2000-3000 نسمة جلهم من الشركس والجورجيين الذين فقدوا لغتهم ومعتقاداتهم السابقة وانصهروا بالإيرانيين، لكنهم يعرفون أصولهم ويتفاخرون بهويتهم الشركسية، ويصرون على التمسك بها، كما تأكدت من أن عدة كهول منهم يتكلمون اللغة الشركسية.

وصلت بعدها إلى مدينة أصفهان في 4 شباط 1975، حيث بدأت بالسؤال مرة أخرى عن وجود شركس فيها. ولما كنت جاهلا باللغة الفارسية، استعنت بصاحب الفندق، الذي نزلت فيه وكان يتقن الإنكليزية، ورجوته مساعدتي في مسعاي، فدلني على صاحب متجر سجاد مسن يتكلم عربية مفهومة، قصدته و سألته عن معرفته بأي شخص من أصول شركسية، فنفى ذلك، لكنه أكد لي وجود بعضهم في المدينة والمنطقة، وأحالني على بائع عاديات يهودي في شارع مجاور يعرفهم، ذهبت إليه، ولحسن الصدف شاهدت عنده قاما (خنجر) شركسية فضية مذهبة بديعة الصنع معروضة للبيع، فسألته عن ثمنها فذكر لي رقماً (سياحياً) خيالياً، وشرح لي أنها قاما أثرية من القفقاس. وكان يعرف بعض الإنكليزية. ولما سألته ما إذا كان هناك قفقاسيون في أصفهان أكد لي وجود أسر جورجية وأرمنية كثيرة، وبسؤاله عن الشركس أفادني عن وجود عدة أسر منهم أيضاً، وأنه يعرف شخصاً أصوله شركسية يتردد على مسجد صغير متواضع، اسمه (مسجد ولي عصر)، وجدته بصعوبة في الأطراف الشرقية لمدينة صفهان بين معمل السكر وضريح العباس. وفيه قابلت كهلاً جالساً يقرأ القرآن يدعى (الشيخ علي) لايتكلم سوى الفارسية ، ولحسن الحظ كان في المسجد طالب مدرسة يتكلم إنكليزية ركيكة ساعدني في الترجمة. ولقد ذكر علي أنه من أسرة شركسية ولكن أمه فارسية من أصفهان، وذكر لي أنه زار مدينة شيراز عدة مرات، أو أن له فيها أقارب شركس ؟. ولقد لاحظت على الشيخ على تحفظاً انفعالياً في أجوبته، مع تلفته يمنة ويسرة وكأنه يخشى شيئاً. ولم أتمكن من معرفة أي شئ آخر منه، ولم أوفق في مسعاي أكثر من ذلك فغادرته محبطاً. وعدت إلى الفندق خائباً تعباً.

ومع ذلك تحققت من وجود أعداد كبيرة من أسر إيرانية ذات أصول شركسية مؤكدة في شتى المدن والمقاطعات الإيرانية، وبشكل خاص في مقاطعة فارس (بين أصفهان وشيراز، ومنطقة أسباس وبلدة شركس- جركس- بالذات)، وكذلك في مقاطعات جيلان، ومازندران، ورشت، وأذربيجان الشرقية، وفي مدن أصفهان وطهران وشيراز، ومنطقة فريدون. وفريدون شاه. وهي مناطق لم أزرها.

كان الهدف من هذه الدراسة المستندة في أغلبها على ما إخذته من المراجع الموثوقة المختلفة، وما توصلت إليه بنفسي من معلومات من أشخاص قابلتهم في شيراز وقرية تشركس وغيرها، هو إيصال هذه المعلومات عن شركس إيران إلى المهتمين بهم، خاصة وأن السواد الأعظم من الشركس في العالم لايعرف شيئاً عن ماضي بني جلدتهم وتاريخهم في إيران.. وهو تاريخ طويل امتد من القرن السادس عشر إلى أواسط القرن العشرين. و ما زالت بصماته في أحداث التاريخ الإيراني ملموسة. ويقدر أن مئات الآلاف من الشركس الإيرانيين المنصهرين في المكون المحلي المتنوع عرقياً، يعيشون في إيران الحالية. وفي تقديري فإن الشركس في إيران اليوم لا يختلفون عن بقية الشعوب الإيرانية اختلافاً جوهرياً، لكن معرفة أحوالهم وأوضاعهم بعد التطورات التي طرأت على إيران بعد الثورة الإسلامية تكاد تكون عسيرة إن لم تكن مستحيلة.




Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/tshible/circassiannews.com/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273