قراءة في الواقع السياسي الشركسي الحالي – الجزء الأول – علي كشت

تاريخ النشر على الموقع 09/09/2015

مقالات الكاتب علي كشت  الكاملة

تزداد صعوبة الكتابة في الشان الشركسي سنة بعد اخرى بالنسبة لاصحاب الاقلام العلمية والاكاديمية، الفوضى وجيش المنظرين والفلاسفة من الشراكسة و ما زاد عنهم من غير الشراكسة يجعل المشهد الشركسي غارقاً بالاصوات والصراخ الغير المفهوم لا وجود لمرجعية فكرية واحدة والقوى الغوغائية والدهماء هم اسياد الساحة ، بلا قيادة او قائد يتحرك الشعب الشركسي الى الوراء وكله اعتقاد بانه يسير الى الامام يذكرنا بالمجتمعات الانسانية في بداية التأسيس البشرية، ظروف صعبة لا يستطيع اصحاب الفكرة الخوض او الكتابة في ظلها لانه لا احد يستمع لهم في ظل ضجيج الغوغاء وتعاظم مفعول ما غرس من اشواك السم ضمن السياسات الروسية والعثمانية السابقة ، وينتظر ان تبقى دوامة الفوضى تعصف بالقضية الشركسية الى ان تلفظ انفاسها الاخيرة على صخرة الجهل والتخلف وحب الظهور .

الا انه قد تكون قمة الخيانة هو الاستسلام وترك الميدان من قبل القوميين الشراكسة القلائل لاولئك الغوغاء من دهماء المجتمع الذين وبفعل الظروف الخارجية في المهجر والوطن الشركسي احرقوا اسس العمل القومي الشركسي واعاقوا اعادة بعث الشخصية القومية الشركسية واصبحوا هم العدو الحقيقي لشعبهم، القوميين وان كانوا مثل الذي يصرخ في البرية فانه لا بد من هذه الصرخة لعل وعسى ان تجد الاجابة ولو بعد عدة سنوات او حتى العشرات منها ، حسبهم حسب اولئك الاشخاص الذين وبعد موتهم تحولت افكارهم الى غايات بحد ذاتها تسعى البشرية الى تحقيقها مثل سقراط الذي اعدمته ديمقراطية الغوغاء في اثينا او ميكافيللي الذي مات من اجل وحدة ايطاليا ولم يراها.

هذه المقالة ستحاول ان تكون هذه الصرخة التي تتناول ما يمكن ان يعتبر “اوراق ضغط” من الناحية الواقعية والمنطقية يستطيع الشراكسة استخدامها في الوقت الحالي (اي ما يملكه فعلا الشراكسة على ارض الواقع من الناحية السياسية) وما يمكن ان تحققه من نجاح من خلال تجارب سابقة ، بالمقابل سيتم القاء الضوء على الممارسات الاخرى التي يعتقد بعض الشراكسة انها تشكل ارواق ضغط على الجانب الاخر ومدى نجاعتها وبما امكن من الاختصار، بناءً على الخلفية العلمية والاكاديمية للكاتب لعلها تنجح في كبح جماح هذه الفوضى والضياع.

التيارات الشركسية والواقع الحالي:

ان الساحة الشركسية تعج بالعديد من التيارات المتعددة ويبرز من بينها تياران اساسيان احدهما معني بالقضية الشركسية من الناحية القومية يطالب بحقوق الشعب الشركسي من اعتراف بالابادة الجماعية والتهجير وغيرها وتيار ثاني اخر معني بحقوق ومطالب الشراكسة في مجتمعات المهجر التي يعيشون فيها وتحقيق مكاسب لهم هناك بعيد عن فكرة القضية الشركسية.

وتهتم هذه المقالة بالتيار الاول وهنا تظهر عدة تساؤلات هل تمكن هذا التيار المعني بالقضية الشركسية من خلال تحركاته ونشاطاته من ايجاد اوراق ضغط على الطرف المقابل او الخصم لاقناعه او اجباره على تحقيق وتنفيذ مطالبه ومصالحه؟ هل تمكن من تحقيق غاياته واهدافه بعد مرور اكثر من عشرة سنوات على بدء نشاطه؟ وللاجابة عن هذه التساؤلات فانه ينبغي القاء الضوء وبشكل مختصر وسريع لضيق الوقت والمساحة على هذا التيار وتوضيح معالمه ومن ثم الحديث عن الطرف المقابل له الا وهو ما يعتبره الخصم اي الدولة الروسية ومن ثم محاولة استنتاج والحكم على نجاح تحركاته.

وفي الحقيقة فان التيار الشركسي المعني بالقضية الشركسية وخاصة في المهجر يتكون من مجموعة من النشطاء الشراكسة لا ينطوي هؤلاء تحت مظلة مؤسسة او منظمة او هيئة معينة بحد ذاتها بل هم مجموعات متفرقة تتعاون في تنفيذ بعض الانشطة من حين الى اخر، لا توجد شخصية قيادية او مرجعية معينة لهم هم يتصرفون حسب ايمانهم بعدالة قضيتهم والرغبة في تحصيل حقوق شعبهم المسلوبة حسب قولهم، هذا التيار يتخذ لتحقيق غاياته واهدافه المتمثلة في تحقيق العدالة للقضية الشركسية مجموعة من الادوات التي يعتقد انها تشكل ارواق ضغط مؤثرة على الطرف المقابل وهي تتمثل في تنظيم الوقفات الاحتجاجية امام الابواب السفارات الروسية وعقد المؤتمرات الدولية وتوجيه الرسائل الى دول العالم للاعتراف بالابادة الجماعية الشركسية بغية الحصول على الاهتمام والدعم الدولي للقضية الشركسية والتأثير “دولياً” على موسكو لجعلها تتحرك نحو معالجة القضية الشركسية من خلال تحقيق العدالة لها حسب ما يراه اتباع هذا التيار، ولقد تمكن النشطاء الشراكسة من تحقيق عدة انجازات من اهمها الحصول على الاعتراف الجورجي بالابادة الجماعية الشركسية والتي يعتبر الاول من نوعه وتوجيه انظار الشعب الشركسي الى ما يسمى بالالمبياد سوتشي التي اقيمت عام 2014 والرفض الشركسي لها باعتباره ارض ابادة جماعية.

هذه لمحة سريعة عن هذا التيار الشركسي وكما ذكر سابقا فانه من المفيد القاء الضوء على الطرف المقابل الاخر من المعادلة الا وهو الدولة الروسية للوصول الى تصور يساعد في الاستنتاج والحكم على نتائج افعاله.

فيما يتعلق بالدولة الروسية وبصورة موجزة فانه يلاحظ ان روسيا اليوم هي دولة تؤمن بالمدرسة الواقعية بكل ابعادها في سياساتها سواء الخارجية او الداخلية ولهذا يعتنق صانع القرار فيها نظرية القوة التي تنعكس على ارض الواقع في رفضه لاعتبار الدولة الروسية دولة “كبرى” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واصراره على انها عائدة الى مكانتها كدولة “عظمى” ، لذلك فان الدولة روسيا تقوم بافعال في الساحة الدولية لا تستطيع غالبية دول العالم القيام بها ، فهي قامت بضم اراضي جديدة الى اراضيها (شبه جزيرة القرم ) بالقوة رغم معارضة المجتمع الدولي وبطريقة تعيد الى اذهان حقبة الاستعمار وهي تمكنت من ايجاد مواقف حاسمة ومؤثرة لها في العديد من الصراعات في العالم مثل موقفها المؤثر في الازمة السورية وقدرتها على تفتيت دول بحد ذاتها لفرض مصالحها مثلما حصل في اوكرانيا وجورجيا وحتى دبلوماسيا فان الفيتو الروسي اوقف مشروع قرار لمجلس الامن الدولي يعتبر ما حدث في مذبحة سيبرنيتشا في عام 1994 ابادة جماعية، بل ان الدولة الروسية اصبحت اليوم تحاول تصدير فكر وعقيدة جديدة تماما كما كان الاتحاد السوفيتي يحاول نشر الشيوعية فان روسيا اليوم تحاول نشر فكر ما يسمى ” الديمقراطية السيادية” (او الموجهة حسب علماء السياسة) وهو نسق فكري جديد رافض للديمقراطية الغربية الفوضوية، اي ان الدولة الروسية وعلى كافة الاصعدة تتحرك لاثبات علو كعبها وانتزاع واقناع الدول بانها دولة “عظمى” وان النظام الدولي القائم على القطب الواحد الاميريكي يسير الى الزوال لا محالة وثنائية القطبية عائدة بفضل “روسيا العظمى”.

اذا واستنادا الى ما سبق فانه يصعب الاقتناع بان تحركات الشراكسة القائمة على الواقفات الاحتجاجية والرسائل وغيرها من الاساليب المتبعة من قبل النشطاء الشراكسة المبعثرين فكريا وعقائدياً قادرة على الـتأثير على الدولة الروسية او اعتبار تلك التحركات اوراق ضغط عليها، لان دولة الروسية اقوى من ذلك بكثير هي دولة ضمت اراضي جديدة وتدخلت ودعمت واوجدت ازمات وقضايا رغم المعارضة الدولية بقيادة الغرب لها ولم تتأثر اما العقوبات الاقتصادية وغيرها فان تأثيرها غير مقنع لغاية الان وهي قابلة للزوال في اي لحظة، وبالتالي فان محاولات النشطاء الشراكسة ايجاد ادوات تأثير خارجية على الدولة الروسية تبدو غير واقعية او منطقية، وهذا ما يمكننا من القول ان التحركات الشركسية خلال الاعوام السابقة لم تكن ناجحة بالمستوى المطلوب وبحاجة ماسة الى المراجعة الفورية لانها كما ذكرنا لم تؤثر على صانع القرار الروسي مطلقاً.

اوراق الضغط الشركسي:

ولكن خلف هذا الجدار الروسي الحديدي الجديد تظهر هناك بعض الثغرات التي يمكن استغلالها من قبل الشراكسة لو ارادوا فعلا ايجاد اوراق ضغط سياسية حقيقة على الجانب الروسي تكون مؤثرة وذات صدى لدى صانع القرار في موسكو، ابرز هذه الثغرات هو الجمعية الشركسية العالمية التي يسعى العديد من النشطاء الشراكسة (سواء بعلم او بجهالة) الى الغاءها وهم لا يعرفون الخدمة الجليلة التي ستقدم الى موسكو في حالة قيامهم بذلك ولتوضيح الصورة فانه سيتم ذكر عدة ارواق تعتبر من الناحية”السياسية” اوراق ضغط ناجحة للشراكسة اثبتت التجربة التاريخية نجاحها وكما يلي:

ورقة الضغط الاولى (الجمعية الشركسية العالمية):

دون الدخول في تعريف للجمعية الشركسية العالمية لان ما يهمنا هنا هو انها منظمة فريدة من نوعها وتسجل ضمن انجازات القوميين الشراكسة في التسعينيات فهي معترف بها رسميا من قبل الدولة الروسية وتضم في اعضاءها مجموعة من المنظمات الشركسية العاملة في المهجر الشركسي وتكاد الدولة الروسية تخلو من منظمة شبيهه لها فهي تضم اعضاء اجانب لا يخضعون لسلطة الدولة الروسية وهذا ما يجعل الجمعية الشركسية العالمية مميزة ، سارعت الدولة الروسية الى احتواء هذه المنظمة بل وتمكنت من تحويلها الى خط دفاع لا مثيل له فالاعضاء الموجودين في المهجر هم جمعيات ومنظمات شركسية تمثل الاف الشراكسة في الخارج بل ان زعماء وقادة هذه المنظمات والجمعيات يتم انتخابهم من قبل الشراكسة في المهجر وبالتالي فهم يمكن اعتبارهم يمثلون ارادة الشعب الشركسي في المهجر ناهيك على ان هذه الجمعيات والمنظمات معترف بها رسميا من قبل دول المهجر ايضا اي ان الجمعية الشركسية العالمية هي المنظمة الشركسية الوحيدة التي تعترف بها روسيا ودول المهجر معا ، ولهذا عمدت الدولة الروسية الى ايجاد علاقة متميزة مع هذه المنظمات وذلك لاستغلالها من اجل الدفاع عن السياسات الروسية في وجه اي انتقادات شركسية اخرى لها وهذا ما تأكد في عام 2014 عندما كان النشطاء الشراكسة يرفضون اقامة الاولمبياد الشتوية في سوتشي قام وفد من الجمعية الشركسية العالمية بزيارة هذه المدينة وهو الامر الذي فسر بان غالبية الشراكسة هم مع هذه الاولمبياد ، وهذا ما تنجح موسكو في التسويق له بانها تتعامل مع الممثلين الحقيقين لغالبية الشعب الشركسي بينما الاقلية المعترضة عليها هم فئة مسيطر عليها ومستغلة من قبل الاجهزة الغربية الاستخبارية التي لا تريد لروسيا العودة الى مكانتها الدولية العظمى، وهذا التفسير في الحقيقة وبعيد عن المشاعر هو الاقرب الى الواقعية والمنطق عندما يتم طرحه بهذا الشكل من قبل الجانب الروسي، الا انه يوجد سبب اخر خفي يدفع موسكو لاحتواء الجمعية الشركسية العالمية واعضاءها الا وهو الخوف منها ، وهو الامر الذي تم تأكيده خلال العام الماضي والعام الحالي من خلال احداث هامة ، حيث كان هناك فرق شاسع في التعامل مع هذه الاحداث من قبل الدولة الروسية الحدث الاول هو لقاء جمع عدد من النشطاء الشراكسة في المهجر واعضاء في البرلمان الاستوني للحديث عن القضية الشركسية والاعتراف بالابادة الجماعية الشركسية من قبل الدولة الاستونيا، وكان الرد الروسي من خلال احد البرلمانيين الروس باعتبار ما حدث هو استكمال لحلقات سياسة “الدول المعادية لروسيا” وهو المفهوم السياسي الجديد المطروح حاليا في روسيا والذي يترافق مع مجموعة القوانين المتعلقة بالخيانة والتخابر مع المنظمات الاجنبية وغيرها، اي ان الرد الروسي كان واضح وحاسم بان هذه التحركات لا تؤثر في سياسة الروسية على الاطلاق لان روسيا تملك القدرة على التعامل معها بفضل الستار الحديدي الجديد الذي اقامته لمنع اي تأثيرات خارجية عليها، وعلى العكس من هذا الرد تماماً جاء تاريخ 21/5 لهذه السنة وهو شديد الالتصاق بالاحداث التي وقعت العام الماضي وخاصة تلك المتعلقة بالتوتر الذي اصاب العلاقة بين الجمعية الشركسية العالمية والكافييد والذي تمثل اكبر تجمع للجمعيات والمؤسسات الممثلة للابناء المجتمع الشركسي في المهجر التركي، هذا التوتر وصل الى حد قيام عدد من اصدقاء الكرملين من الشراكسة وهم اعضاء في الجمعية الشركسية العالمية بتقديم ما يعرف بـ”النصيحة الذاتية “الشهيرة بان رؤساء وقيادات الكافييد سيحرمون من دخول القفقاس في حالة الاستمرار بمناكفة السياسات الروسية اتجاه الواقع الشركسي، الا ان ما حصل كان الرد الروسي “الناعم” ان صح التعبير منظمة الكافييد شاركت باحياء ذكرى الحداد لهذا العام في القفقاس حيث حضر وفد ضخم ضم اكثر من مئة شخص فعاليات احياء ذكرى الحداد التي اقيمت في الوطن سواء في نالتشيك او مايكوب او تشركيسك وغيرها من المناطق، علما بان سياسة “الكافييد” لم تشهد اي تراجع بل على العكس تم في اوائل عام 2014 عقد اجتماع معها في تركيا بحضور مندوبين عن الجمعية الشركسية العالمية للاستماع للمقترحات التي يجب تنفيذها للارتقاء بمستوى عمل الجمعية الشركسية العالمية، اذا لم تنفذ التهديدات التي اطلقت سابقا بمنع اعضاء الكافييد من الدخول بل حضروا ضمن وفد ضخم واثناء زيارة حاولت بعض وسائل الاعلام الروسية تلفيق تصريحات لرئيس الوفد السيد يشار اصلانكايا تتعلق بانتقاده لبعض التحركات الشركسية في المهجر التي تسيء الى الدولة الروسية لتاتي مباشرة “الكافييد” وعلى موقعها الرسمي بنفي هذه التصريحات وبصورة واضحة، كما وقع حادث هام جدا اثناء الزيارة ذاتها حيث قامت السلطات الروسية باعتقال رئيس منظمة الكونغرس القبرديني السيد روسلان كيشيف اثناء محاولته التوجهه للقاء رئيس وفد الكافييد وسيتم التطرق له لاحقاً .

الفرق في التعامل بين هاتين الحالتين يظهر الخوف الروسي من هذه “الثغرة” التي يخشى ان يستفيد منها الشراكسة وهو ما يفسر الرد الروسي الغير مبالي ازاء اللقاء الاستوني والرد الدبلوماسي “اللطيف” ازاء زيارة وفد “الكافييد” رغم توتر العلاقات معها، ان موسكو تخشى من تمكن القوميين الشركس من السيطرة على الجمعيات والمنظمات الشركسية الاعضاء في الجمعية الشركسية العالمية في المهجر وقيامهم بطرح مواضيع تتعلق بالابادة الجماعية الشركسية والتهجير على جداول عمل الجمعية الشركسية العالمية المنظمة المعترف بها من قبل الدولة الروسية خاصة في وجود قرارات روسية ايضا تتعلق بهذه المواضيع سيتم ذكرها لاحقا ، مثل هذه الاحداث ستؤدي الى فقدان روسيا لـ” خط دفاعها الاول والامثل” وسيكون رد الفعل ليس خارجيا بل من الداخل الروسي وهو الامر الذي سيجعل الدولة الروسية (القوية) تتراجع الى الخلف من اجل احتواء مشاكلها الداخلية ذات امتدادات خارجية اي ان الثغرة الموجودة في الستار الحديدي ستكون قابلة للتوسع ، وهذا ما لا تريده الدولة الروسية.

الورقة الثانية:

وتتمثل في قدرة النخب السياسية القومية الشركسية في السابق على ربط مصالحها بمصالح نخب سياسية قومية اخرى داخل الدولة الروسية وهو ما كان متبعاً من قبل الشراكسة ابان الحقبة السوفيتية وتمكنوا من خلال “ربط المصالح” هذا من ايجاد قاعدة من المصالح المتداخلة مع قوى سياسية قومية متعددة داخل روسيا وهو ما ادى الى انتزاع الجمهوريات الشركسية الحالية والتي كانت تمتاز بصلاحيات دستورية واسعة قبل ان يتم استئصالها بشكل يخالف الدستور الروسي من قبل الحكومات الروسية الاخيرة، فعند سقوط الاتحاد السوفيتي كان المفكرين والسياسيين الشراكسة في طليعة القوى التي حملت احلام الشعوب القومية التي كانت تعاني من الحكم السوفيتي وتمكنت من قيادة الانتفاضة القومية ليس بالنسبة للشراكسة فقط بل وعموم الاراضي السوفيتية الاخرى، الا انه وفي الوقت الحالي فان هذه الورقة المجربة تاريخياً يتراجع الاهتمام الشركسي بها ، على الرغم من ان الوقت الحالي يظهر ضرورة وجود مثل هذه الارتباطات والعلاقات المصلحية المتداخلة مع القوى القومية الاخرى داخل الفدرالية الروسية وخاصة النخب السياسية في جمهورية تتارستان ، ان اي تغيير قادم في سلوك الدولة الروسية سيكون لهذه القومية دور حاسم فيه وعليه فانه ينبغي وجود مصالح مشتركة بين القوميات المختلفة في الدولة الروسية هناك جمهوريات اخرى تعاني من توتر العلاقات مع موسكو ، ان تتار يعتبرون العرق الثاني بعد العرق السلافي من حيث التعداد و الذين يتمركزون في جمهورية تتارستان ويبلغ تعدادهم نحو 6 ملايين نسمة، فيما يأتي البشكيريون في المرتبة الثالثة وتعداد أبناء هذه القومية الذين يتمركزون في جمهورية بشكيريا الذاتية الحكم يزيد على أربعة ملايين نسمة،ولم تشهد منطقتا تتارستان وبشكيريا اضطرابات عرقية على رغم ظهور تيارات في أوائل تسعينات القرن الفائت طالبت باستقلال الجمهوريتين عن روسيا، ويشكل العرق السلافي نحو ثلث سكان الجمهوريتين المسلمتين، ولكن وبعد ضم شبه جزيرة القرم ظهرت على السطح نزعات قومية لهذه القوميات تتعلق بتوحيد هذه القوميات في دولة واحدة مع تتار القرم وتعتبر هذه الوقائع الجديدة احدى نقاط الضعف في الخاصرة الروسية التي ستحاول مستقبلا الدول الغربية استغلالها وقد تتمكن من استقطابها في ظل تصديها للحلم الروسي في العودة الى زعامة المجتمع الدولي وتكفي الاشارة الى حوادث هامة جدا وقعت في بداية تسعينات ، إذ شهدت جمهورية ياقوتيا (ساخا)السيبيرية عمليات تصفية عرقية واسعة النطاق قام بها الياقوتيون ضد الروس الذين يشكلون نحو 60 في المئة من سكان الجمهورية ، وجرت عمليات دموية مماثلة في جمهورية توفا الواقعة على ضفاف بحيرة البايكال عندما سعى التوفيون الذين يشكلون نسبة 40 في المئة من السكان إلى “تنظيف” جمهوريتهم من السلافيين أبناء ديانتهم، لكن موسكو حاربت النزعات الانفصالية في الجمهوريتين بعنف وفرضت قيادات روسية فيهما، اذا ايجاد نوع من التحالفات مع القوى السياسية القومية المختلفة في هذه الجمهوريات سيعمل على تشكيل ضغط قوي على الكرملين وقد يدفعها الى سلوك “الاحتواء” من خلال تقديم بعض التنازلات لهذه القوى القومية المتحدة داخل نظامه خوفا من تفاقم دورها وتعزيز التنسيق والتنظيم بينها.

الورقة الثالثة:

كانت النخب السياسية القومية الشركسية دائمة الانخراط في العملية السياسية داخل الدولة السوفيتية وبعد زوال ذلك الاتحاد بقي السياسيين الشراكسة موجودين في منظومة العمل السياسي الروسي هذا الامر ادى الى تحقيق العديد من المصالح الشركسية في التسعينيات والتي كانت الفترة الذهبية للعنفوان القومي الشركسي ، وفي الوقت الحالي يظهر خروج الشراكسة من هذا المضمار فالقوى السياسية الشركسية مهمشة ولا تريد الدخول في قوى المعارضة ولا حتى القوى المؤيدة للنظام الحالي وهذا الحال من عدم الرغبة في التفاعل سيؤدي الى اخراج الشراكسة من اية حسابات جديدة لان التجربة التاريخية تؤكد ان بقاء الحال من المحال في الدولة الروسية ولذلك فان البقاء بعيد عن المشاركة السياسية الفاعلة سيشكل نكسة لاي جهود شركسية مستقبلية تسعى للاستفادة من التطورات والتغييرات التي يمكن ان تحدث داخل الفدرالية الروسية.

يتبع في الجزء الثاني…..




Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/tshible/circassiannews.com/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273