الشراكسة واسكتلنده – جميل اسحاقات

تاريخ النشر على الموقع 22/12/2011

تشير الدراسات التحليلية للموروث الثقافي والفكري للبشر إلى أنّ الظروف الطبيعية في الأقاليم المختلفة تصبغ الناس بصفات خاصة ، وأنّ طبيعة المنطقة وظروفها المناخية تخلق في بعض الأمم روح المغامرة وبشكل خاص بين الفتية وتصبح بالتالي منابت ثريّة بالجند ، وأنّ نفس الحال يكون في المناطق التي تتسم بعدم الاستقرار السياسي وتلك التي يهيمن عليه القلق ، وأن أقاليم معيّنة تبقى بحاجة دائمة للجنود في حين تستمرئ شباب أقاليم أخرى روح المغامرة يسعون إليها في مناطق أخرى ، ونرى ذلك بوضوح في المناطق التي لا تحظى بطبائع مناخية مواتية حيث الحصاد غير مضمون والمواسم الزراعية سيئة بشكل عام ، في مثل هذه البيئات تنمو روح المغامرة التي تحيلهم إلى جنود بمواصفات عالية تنطلق بشكل ما إلى المناطق الحليفة سعيا وراء المال من ناحية وإلى فرض الذات واكتساب الاحترام من ناحية أخرى . ويرون أن هذا الحال مشترك بين مناطق شركيسيا الجبلية منها بشكل خاص وبين مناطق اسكتلنده .

لاحظ الرحّالة الانجليز الذين مكثوا في شركيسيا فترات طويلة تشابه العناصر الاجتماعية بين تلك الموجودة بين أهالي المنطقة وتلك السائدة في مناطق مختلفة من البر الانجليزي ، فقد كتبت السيّدة هارفي : تذّكر الطبائع القبلية عند القبائل الجبلية في شركيسيا بتلك التي كانت موجودة في اسكتلنده القديمة ، فالرجال يفتخرون بارتباطهم بالقائد ، والقائد يعتبر أنّ أولى واجباته حماية جماعته ورعايتهم والانتقام لهم .

لاحظ J.P. Cameron التشابه بين الرقص الشركسي والرقص الاسكتلندي : ترى في أحد الجوانب مجموعة من الفتيات الجميلات يصوّرن بحركاتهن البطيئة الرشيقة جمال بيئتهن ، وينتقلن إلى الحركات القويّة التي تصوّر الروح الشركسية ، و لا تختلف تلك التشكيلات كثيرا عمّا نعرفه في مرتفعاتنا ، ولقد قال لي صديقي ورفيق رحلاتي الكونت de- no متسائلا : لم رقصاتكم الوطنية هي نفسها التي نراها هنا عند الجبليين ؟ .

تشرح مظاهر الثقافة الاثنية الشركسية سبب التعاطف الاسكتلندي الكبير مع الشراكسة فقد كان M.J. Lermentove وهو اسكتلندي الأصل معجبا بالشراكسة ، بأرضهم وثقافتهم ، ففي قصيدته Ismail –bey وفي قصيدته Circassian وفي الكثير من أعماله يصوّر ملاحم الشراكسة البطولية أثناء نضالهم في سبيل استقلالهم ، وانظر إليه وهو ينقش بكلماته روح الشراكسة وطبيعتهم التي تخلب الألباب

So moved on the earth Circassian daughter

The loveliest bird of Frangistan (يقصد أرض السحر والجمال )

استهوت والتر سكوت أسلحة الشراكسة التي تنطق أفواه الجبليين الاسكتلنديين بعبارات الإعجاب ، وقدّم في كتابه Talisman وصفا كاملا للمماليك الشراكسة ، أمّا الجنرال Philipson الروسي الاسكتلندي الأصل الذي قاد كتائب في شركيسيا فقد حمل ذكريات مشوّقة عن الفرسان الشراكسة وعن أسلحتهم ، وكان هو ومجموعة من الكتّاب من أوائل الذين كتبوا عن الشراكسة : Robert Layell , James Cameron , و David Urghart كان الأخير من أشهر المناوئين لروسيا ، وقد زار شركيسيا عدّة مرّات وروّج للتوجيهات الشركسية في البرلمان البريطاني وأمام الحكومة البريطانية ، كما اشترى بأمواله الخاصة الأسلحة والذخيرة وأرسلها للشراكسة . وهناك رجل آخر كان شديد الإعجاب بالشراكسة وخاصة شراكسة مصر وهو اللورد Stuart الصديق الشخصي لمحمد بي الألفي زعيم مماليك مصر 1801 – 1809 وكان قائدا للقوات البريطانية في مصر وشرق المتوسط ، وقد دعم المماليك الشراكسة في صراعهم ضد العثمانيين والفرنسيين ، وعندما أخلى قوّاته ترك تجهيزات عسكرية للمماليك واصطحب الألفي معه .

وهنا يظهر سؤال : هل التعاطف الاسكتلندي مع الرقص الشركسي فقط؟ بالتأكيد لا ، فالتعاطف تعاطف وجداني هو في الحقيقة نتاج تشابه العناصر الثقافية والاجتماعية بين المجموعتين . فقد تأثّر قدماء السلت ولفترة طويلة بالثقافة الاثنية للHattusa ومايكوب لهذا فإنّ السلف المباشر للاسكتلنديين الجبليين ( قبائل :Births , Scottsو قبائل الPict) كانوا قد استوعبوا عدد كبيرا من ال Yazigs الفرسان الأديغه الذين بدءوا مسيرتهم من سرماتيا وتوقّفوا عند حائط هادريان في الاجزاء الشمالية من بريطانيا ، ومن المعروف أن أكثر من 5500 من الياجيز ( الأديغه ) حاولوا الاستقرار في المجر ودخلوا حربين مع الروم في ذلك الوقت ، ونستطيع أن نرى آثارهم في شمال اسكتلنده ، ويرجع ذلك إلى سببين :

أ – كانت اسكتلنده نهاية المطاف لهجرة الياجيز ، وبالذات السهول الجنوبية حيث استقر الصرمات
ب – سكان المنطقة منذ ذلك الوقت هم أبناء السلت

استقرّ الأديغه مع هؤلاء في القرن العاشر وعاشوا مع الاسكتلنديين منذ ذلك الوقت . ويمكننا استنتاج أمور مهمة بناء على هاتين الحقيقتين منها أنّ أصول عدد كبير من العائلات الاسكتلندية ترجع إلى الياجيز ( الأديغه ) الذين أحضروا إلى كاليدونيا تقاليد الفروسية ونمط الأسلحة ، وتشير الدراسات التي أجريت في ايسلنده بوضوح إلى أنّ هذه الفترة هي التي شهدت ظهور خيول البحر الأسود في هذه البقاع .

في انجلترا لا نرى إلا آثارا محدودة للأديغه وتظهر بشكل خاص في عهد الملك أرتر وفرسان المائدة المستديرة ، ويلاحظ B. Bachrach وجود مغامرين وخيّالة وفرسان وعبتيين والكثير من الشجعان ( حيث يظهر مثل هؤلاء زمن الحروب )بألبستهم المتأنقة ، وقد ظهر مثل هؤلاء الفرسان المتميزين في غرب أوروبا في القرنين الثاني والثالث عشر ، وقد غزى الياجيز بريطانيا في القرن الثاني عشر ولم يكن هؤلاء يختلفون عن فرسان الملك برقوق الذي احتل مصر وسوريا 1376 – 1395 .

إذا رجعنا للتاريخ العسكري الاسكتلندي وتتبعنا أسباب مشاركة الأديغه في هذا التاريخ فإن مثل هذه الدراسة ستسمح لنا تصوّر العوامل ( العناصر ) الاجتماعية الاثنية لهذه الظاهرة .

تبدأ العلاقات الأديغيه – الاسكتلندية مع عهد الرومان وتستمرّ حتى الآن وتظهر قبسات ( ومضات ) قويّة في تلك العلاقات وخاصة في الفترات التي تشهد فيها المنطقة حروبا ، أو ينتشر فيها الفقر ، ولم تكن العلاقات الأديغيه – الاسكتلندية إلهاما ( وسيلة ) للنجاة أو للثراء ، بل كانت استمرارا لأسلوب حياة معتمد بشكل عام على عقلية الفرسان المتعطشة للمغامرة الطامحة لإظهار النفس كأبطال ، وهي هذه الروح التي دفعت الاسكتلنديين للحملات العسكرية ، هذه الروح هي روح الجبليين .

من الخطأ اعتبار الجبليين الاسكتلنديين والشراكسة مزارعين سيئين وكذا فإنّ اعتبار انغماس الشراكسة في الحرب نتاج فقر البيئة يعتبر نوعا من المغالطة ، وتقع المفارقة في أنّ علماء التاريخ الروس الدارسين للحياة الثقافية والاجتماعية عند الأديغه يربطون كل الظواهر بمستوى الزراعة والإنتاج الزراعي على الرغم من أنّ القوزاق خلال الحرب كانوا يشترون الخبز من الشراكسة بمئات آلاف الدنانير كل عام ، ومع هذا يدّعي العلماء الروس أن الفقر هو الذي دفع الشراكسة إلى محاربة الروس والانتقال إلى المستوطنات الروسية ، على النقيض تماما فإن الأديغه والوبيخ والابخاز تماما كما هو حال Vainakhs الاسكتلنديين يرون أن مناخ بلادهم مناخ رائع ، وأنّهم في هذه الظروف ينتجون المحاصيل الزراعية بأنواعها ويربون مئات آلاف رؤوس الخيل وينتجون الألبسة ويتسيّدون قيادة القوات الروسية والتركية على حد سواء في حين لم يول أحد الفلاحين الروس أي قدر من الاهتمام ، وكان الجنرالات الروس يعتبرون الخيّالة الشراكسة أفضل فرسان العالم وسعوا إلى إدخال عدد من الاديغه في القوات الروسية واستعانوا بهم في المجر وبولنده وشبه جزيرة البلقان .

إن مؤسسة العلاقات التربوية في اسكتلنده هي نفس مؤسسة العلاقات التربوية التي كانت في شركيسيا والتي تعرف عند الاديغه بالاتاليق، وكانت الأفضل في خلق أجيال على قدر كبير من التهذيب وحسن الخلق المبني على القيم المثلى بالإضافة إلى تمتعه بالشجاعة وإتقانه فن الفروسية والمغامرة ، وكان M.O.Kosven هو عالم الأعراق الروسي الوحيد الذي عمل دراسة مقارنة بين نظامي الCelto – Norman ونظام شمال القفقاس ، وقال : نظام تعليم وتربية الأطفال في الاقليمين واحد ونستطيع أن نراه أيضا في الأراضي الاسكندنافية وفي ايسلنده وعند قبائل السلت الانجليزية في ايرلنده وويلز ، وقد استمرّ نظام التبني في ايرلنده مثلا حتى منتصف القرن الثامن عشر ، وكما كان الحال في شركيسيا كان الحال أيضا في ايرلنده ، كان الناس يسعون إلى تربية أطفال الملوك والأمراء . وكانت تنشأ علاقة خاصة بين المربي والطفل ، ولم يكن غريبا أن يقاتل الصبي مع مربيه ضد أقرباء والده ، في اسكندنافية وعندنا ( سلت انجلترا ) كان هذا النوع من النظام محببا لنا ، النظام القبلي مثل الشراكسة .

هذا التشابه في نظام التربية بين الشراكسة والاسكتلنديين واضح جدا كوضوح تشابه العلاقات الاجتماعية ويقول W. Popper يختلف الشراكسة عن بقية شعوب القفقاس في الصفات العرقية والعادات وفي اللغة ، وقد تطوّرت الوحدة القبلية بينهم و خلقوا نوعا من القرابة عن طريق تبني الأطفال ، فقد كانوا يعطون الأطفال في سن مبكرة لغرباء لتنشئتهم وكان هؤلاء يرعونهم ويحافظون عليهم كأولادهم الذين من صلبهم ، وكان الآباء بالتبني يعاملون بقد كبير من الاحترام وكان الإخوة بالتبني على علاقة قويّة ، وكتب D. Ayalon في زمن الشراكسة كان الآباء ذوي المرتبة الاجتماعية المرتفعة من النبلاء والأمراء يدفعون بأبنائهم إلى أسر تقوم بتربيتهم وإعدادهم ليكونوا فرساناً ومقاتلين من الطراز الأول ، وارتبطت ظاهرة التبني بالحاجة إلى نقل جلال الخلق وإتقان فنون القتال من جيل إلى آخر ، لذا استعمل السلت والشراكسة التبني كدرع واق من آثار انتشار ظاهرة الحريم وترهل تأثير الأم الأصيلة وكانت بالتالي وسيلة لتوفير أفضل الرعاية لأبناء الطبقة الغنية .

جميل اسحاقات
عن موضوع للأستاذ سمير حتوقوه



اضف تعليقا