مدخل لتاريخ الشراكسة في الأردن – جميل اسحاقات ( حلاشته )

تاريخ النشر على الموقع 10/05/2013


انتهت الحروب الروسية – الشركسية التي دامت قرابة قرن ونصف بما اتسمت به من وحشية وقسوة في الحادي والعشرين من أيار 1864 وأعلن الشراكسة استسلامهم آملين وضع نهاية للقتل والنهب والسلب والحرق الذي تعرّضت له قراهم ، آملين بوضع نهاية لحرب الإبادة الذي تعرّضت له الأمّة ، ولكن الآمال تبددت بالشروط القاسية التي لا يمكن لشعب قبولها : التخلّي عن ممتلكاتهم وبيوتهم ومزارعهم ومراعيهم وهجر قراهم وبلداتهم والانتقال إلى الأراضي المنخفضة الموبوءة غير صالحة للسكن أو بمعنى آخر الانتحار حتى توفّر القيصرية الروسية ثمن طلقات إعدامهم ، أو الترحيل والتهجير إلى أراضي الدولة العثمانية وهو الخيار الذي ركّزت عليه القيصرية الروسية

ضاعت الآمال ولم يبق للشراكسة خيار فلم يكن بإمكانهم قبول الانتقال للمناطق المنخفضة والموت ببطء ، وكانت روسيا بطبيعة الحال تعمل على الخيار الآخر : التهجير فبدأت بتجميع الشراكسة على السواحل الشرقية للبحر الأسود تمهيدا لترحيلهم إلى الدولة العثمانية ، وكانت عمليّتا التجميع والترحيل جريمة في حق الإنسانية : جريمة كبرى لم تعرف البشرية مثيلا لها ، فقد جمع مئات آلاف البشر شيوخا ونساءً وأطفالا على الساحل وتركوا هناك دون أي شكل من أشكال المعونة : أكل أو ماء أو سقف يحميهم من التقلّبات الجويّة فانتشر الجوع وتفشّت الأوبئة : التيفوئيد والدزنطارية وبدأ الموت يحصد الأرواح : حتى أصبح رؤية الأطفال الذين يرضعون من أمهات قضين نحبهن ، ورجال ونساء تنهش الكلاب أجسادهم ولا يقوون حتى على دفعها عنهم وحصد ملاك الموت من الشراكسة على الساحل ما لا يقل عن 400000 ولم تعمل القيصرية الروسية حتى على نقل الموتى أو دفنهم ، بل تركت الجثث ملقاة على الطرقات فأصبحت عرضة للحيوانات تنهشها أمام أعين الأهل والأبناء ، لتبدأ بعد طول انتظار عملية الترحيل التي تعرّض الشراكسة خلالها للموت الجماعي مرّة أخرى

حيث كانت السفن تحمّل بأربع أو خمسة أضعاف قدرتها على النقل لتبدأ بمجرّد ابتعادها عن الساحل عمليات التخلّص من الحمولة برميها في البحر ، والاحتراق في عنابر السفن ، والسفن التي تعرضت للقصف المدفعي من قوات مختلفة متعددة ولعل اشهرها القصف المدفعي العثماني للسفينة أجيروس سنة 1880التي كانت تحمل اكثر من 2100 من الشراكسة ، اما السفن التي غرقت فأعدادها لا تزال مجهولة ولعل اشهرها السفينة سفينكس التي غرقت قبالة السواحل القبرصية واحترق فيها اكثر من خمسمائة من الشراكسة دفعة واحدة و800ماتوا من الجوع والعطش . ( انظر الي ما قاله المؤرخ الألمالني كاينتس ( ابادة الشراكسة 121 ) دخلت الي لارنكا في قبرص ثلاث سفن صغيرة تحمل 2100 شركسي / مات منهم خلال الرحلة التي استغرقت 32 يوما 1300 بسبب الجوع والعطش أي أكثر من نصف العدد الذي ركب السفينة أصلا ، حاول المسؤولون في المرفأ والقنصل الفرنسي منع نزول الناس من السفن وهم انصاف اموات ومرضى بالتيفوس والحصبة ، وقد افاد قبطان باخرة كانت تسير خلف تلك السفن الثلاث أنه كان يعرف طريقه من رؤية الجثت في البحر )

ولم تتوقّف مصائب الشركس بالوصول للبرّ فقد تعرّضوا ّ لكل أشكال المهانة البشرية أقلّها وأبسطها النهب والقتل وخطف الأطفال من بين مليون ومائتي الف وصلوا للبرّ مات اكثر من ثلاثمائة الف نتيجة المبيت في العراء وانتشار الامراض والاوبئة وعمليات القتل والنهب والسلب وسرقة الأطفال ، فقد مات مثلا اربعون الفا في منطقة سامسون بعد أربعة اشهر من وصول البواخر التي اقلتهم الي ذلك الميناء ، كما مات ما يقارب 53 الفا في نهاية عام 1865 في مدينة طرابزون وحدها ( جودت ناشخو 34 )
هكذا كانت رحلة هؤلاء الذين لا يمكن وصفهم بغير المصطلح الانجليزي survivals إلى البرّ الشامي : سوريا وفلسطين والأردن عبر طرق متعددة منها :

( حتى نعرف حقيقة الوضع لا بدّ من الاشارة إلى أنّ الأحوال في ذلك الزمان كانت غير هذه الأيام فلم تكن هناك أمم متحدة أو منظمات إغاثة ولا وسائل اتصال أو مواصلات ، كان الفقر والجهل منتشرا عاما بين الناس )

لم يكن الناجون الذين وصلوا الي بلاد الشام إلا بقايا العائلات ، فلم تصل عائلة واحدة إلا وكانت قد دفنت على الطريق مائة أو اكثر من الأهل والأقارب من الاخوة والأخوات والخالات والأعمام ، الواصلون كانوا محطمين نفسيا وجسديا وروحيا لما عانوا في الطريق من الرعب والخوف والمقابر التي زرعوها على طول الطريق شواهد على ابشع جريمة في تاريخ البشرية ،

وصلت طلائع الشراكسة عمّان في العام 1878 مجموعة صغيرة تتكوّن من ( 17 ) عائلة من قبيلة الشابسوغ ،
تبعت المجموعة مجاميع مختلفة على شكل دفعات فقد وصلت
في العام 1878 م ( 17 ) عائلة من قبيلة الشابسوغ ، تبعتهم في نفس السنة دفعة رئيسية من نفس القبيلة .
1880م وصلت مجموعة من العائلات من قبائل القبردي والبزادوغ والأبزاخ
1892م، ووصلت دفعة أخرى من القبردي.
1889م وصلت جماعة من الأبزاخ *1 عمان وجوارها 172
1900م وصلت 129 عائلة ، منهم القبردي الذين سكنوا في منطقة المهاجرين في حين رحلت جماعة البزادوغ الي وادي السير وناعور .

عمان عام ١٨٩٥
عمان ١٨٩٥

عمان قبل وصول الشراكسه
عمان قبل الشراكسه ٢

عمان قبل الشراكسه ١

سكنت مجموعة الشابسوغ حول المدرج الروماني وفي المنطقة المعروفة حاليا بالساحة الهاشمية ، وعلى سفوح جبل القلعة المقابل للمدرج ، وعلى امتداد طريق راس العين ، أما القبردي والأبزاخ فسكنوا حول الجامع العمري ، والجهة الجنوبية الغربية من جبل القلعة المقابل للجامع العمري ، وفي منطقة شارع فيصل وشارع بسمان وطريق السلط ، وفي المنطقة المعروفة الآن باسم سقف السيل ، أما الدفعة الأخيرة فسكنت منطقة المهاجرين ، اتسعت رقعة المنطقة المسكونة فيما بعد ، حتى وصلت الي جبل الأشرفية وجبل النظيف وشارع بارطو وجبل القلعة وشارع وادي صقرة وجبل الملفوف ( جبل عمان حتى الدوار الأول ).

وصلت العائلات الشركسية منهكة إلى منطقة غريبة وتركوا هناك بلا معين فلم تكن في تلك الأزمنة أمم متحدة ولا وكالات إغاثة ، يفتقدون لكل شيء حتى وسيلة التواصل مع الآخرين : اللغة .. كانوا في حالة مزرية من الانهاك والتعب تتآكلهم الغربة وفقدان الدار والوطن والأحبة وترزح أفكارهم بذكريات أليمة لا تبارحهم : صور الأحبة الذين سقطوا على الطريق و صور المآسي والويلات والقتل والنهب والمصائب التي لا تخطر على بال التي كتب لهم النجاة منها ، وصلوا إلى منطقة غريبة عنهم ، أرض صلدة هجرت لأكثر من خمسمائة عام ،
وامكانات ضعيفة فلا أدوات ولا عدد ولا حتى قطعة حديد يمكن استخدامها في صناعة أداة حفر ، ولا متاجر يمكن شراء الحاجات منها ، ولا وقود

ولكنهم كانوا يعرفون أن لا سبيل أمامهم إلا العمل ، وأمل في منجاة بعد طول عذاب لا سند لهم إلا إيمانهم بأنّهم بين أناس على ملّتهم مسلمون مثلهم وإن كانت وسيلة الاتصال والتفاهم ( اللغة ) مشكلة المشاكل ، فبدءوا ببناء بيوتهم بما توفّر لديهم من البيئة الحجارة ( الدبش ) والطين والقصب والخشب ، وبدأ العمل في قطع الأرض الصغيرة التي منحت لهم يستصلحونها بأبسط الأدوات ، أدوات صنعوها من الخشب ، وبدأت جماعات صغيرة من العرب المجاورين تقترب منهم تراقبهم وتتعجّب من الوافدين الجدد الذين لم يكونوا مثل غيرهم : عدائيين يحاولون السيطرة على الآخرين أو يترفعون عنهم ، أعجبوا في الوهلة الأولى بالعربة الشركسية فلم يكونوا قد رأوا عربات من قبل وباللباس الشركسي الأنيق ، وبدأ الأطفال بشكل خاص مدفوعين بالفضولية وحب الاستطلاع يقتربون من البيوت الشركسية وكانت دهشتهم عندما كانت سيّدات البيوت يستقبلونهم ويستضيفونهم ويقدمون لهم الأكل وما يتوفّر عندهم من حلويات على بساطتها ، فيعودون لبيوتهم يتحدثون عن هؤلاء وطيبتهم وحسن معشرهم مما شجّع كبارهم على الاقتراب ومحاولة الاتصال بهم ، وتزايد الاعجاب بالوافدين عندما بدءوا باستصلاح الأرض وقيامهم بصناعة الفؤوس والأدوات الأخرى اللازمة لهم من الخشب لعدم توفّر الحديد في المنطقة . كانوا يجلسون قريبا منهم يراقبونهم وهم يحرثون الأرض بهذه الأدوات البسيطة ويعملون دون كلل أو ملل في استصلاح الأرض وزراعتها وبدأت الثقة تنمو بين الطرفين فهناك العديد من الصفات المشتركة بين حضارتيهما رغم ما بينهما من اختلاف : الكرم ، حبّ الجيرة الشهامة إكرام الضيف ، فبدأت بين الطرفين مقايضة بسيطة : سمن وحليب وصوف من البدوي وخضراوات وجوز وتين وعنب وتوت ومشمش وخناجر وسيوف وأساور وخواتم وأحزمة من الجلد وسروج خيل من الشراكسة ، ومع مرور الأيّام بدأت المزروعات الشركسية تتزايد وتتنوّع ، وكثر انتج القمح فكان لا بدّ من بناء المطاحن التي تعتمد على دفع المياه لتحلّ محل المطحنة اليدوية القديمة فاضطر الشراكسة لحفر القنوات وتجديد وترميم القنوات الرومانية ، وفّرت المطاحن الدقيق : المادة الأساس للغذاء اليومي فأحس البدوي بأنّ وجود هؤلاء له فوائد عديدة وأنّ الوافدين يوفرون لهم كثيرا من حاجيات هم في أمس الحاجة لها ، وبشكل خاص عندما بدأ المهنيون الشراكسة بالعمل في النجارة والحدادة وصناعة الجلديات والخناجر ، وبعد أن حوّلوا عرباتهم إلى عربات لنقل المسافرين ، فتزايدت نسب المقايضة لتتحوّل إلى تجارة وبدأت المصالح المشتركة بين الطرفين تتّضح يوما بعد يوم فكوّنوا قوافل تجارية مشتركة بين الطرفين يحملون منتجاتهم السمن والصوف من البدوي البسط (المفارش) والخرج والعدول ( لنقل الحبوب وتخزينها ) والخناجر والسيوف والحلي والمنتجات الجلدية والقمح والألبسة من الشركسي إلى القدس ونابلس ليحضروا من هناك ما يلزمهم من قماش وشاي وكيروسين وورق للف السجاير ، وظهرت آثار الاستقرار فبدأت جماعات من الشوام والفلسطينيين تأتي إلى القرية تسكن فيها وبدأ السكان في التزايد فتحوّلت عمّان ( بلغ تعداد سكانها عام 1914 ( 1800) إلى قرية متعددة الأقوام تحمل الطابع الشركسي فكانوا يشكلون غالبية السكان وكانت لغتهم سائدة يتعلمه كثير من العرب ويتحدثون بها .
الشراكسة والتعليم

اهتم الشراكسة بالتعليم لذا أوفدوا في العام 1899م وفدا برئاسة الحاج اسحق لمبز الي دمشق لاحضار معلم لتعليم ابنائهم ، نصحهم بعض الاصدقاء بالتوجه الي بيروت حيث يوجد رجل شركسي متعلم هو محمد على جنبلاط ، التقى الوفد بالاستاذ جنبلاط الذي قبل القيام بالمهمة ، اقام جنبلاط في بيت مضيفه الحاج اسحق لمبز ، الي أن استكملوا بناء مدرسة بجوار المسجد العمري 1900م وبدأ بتعليم الطلاب من الجنسين لتكون مدرسته أول مدرسة عرفتها عمان في العهد الجديد ،
لم يكتف الشراكسة باستقدام المعلمين بل أرسلوا ابناءهم الي دمشق والقاهرة ونابلس والسلط للتعلم ، وكان من اوائل هؤلاء سعيد بسلان الذي فتح كتابا خاصا به 1918م ليكون أول مدرس أردني من مواليد عمان ، من الذين سافروا الي الدول العربية للدراسة في فترة مبكرة سعيد المفتي وشمس الدين سامي _أول من حصل على شهادة الحقوق من الأردنيين .
بالاضافة الي اهتمام الشراكسة بالكتاتيب و بارسال اولادهم الي المدارس في الدول المجاورة سعوا وتوسطوا مع السلطات لاقامة المدارس حتى فتحت أول مدرسة رسمية ( المكتب الحربي ) في عمان 1915م ، وقد اطلق على هذه المدرسة اسم ( دار النجاح ) ايضا .

ظهر من الشراكسة مجموعة من الأئمة والوعاظ والخطباء منهم الشيخ عمر لطفي والشيخ زكريا حسين عمر – المسجد العمري ، والشيخ صالح بن ابراهيم – مسجد الشابسوغ .

اهتموا بالأمن واختاروا مختارا وهيئة محلية لادارة شؤون مدينتهم وكانوا أول من انشأ مجلسا بلديا فكانت بلدية عمان 1909 وكان رئيسها الأول من الشراكسة اسماعيل بابوق ، واناروا مدينتهم بما عرف في ذلك الوقت باللوكسات
وصل تعداد سكان عمان الي 1800 في سنة 1914 ( الراهبان الفرنسيان جاسان وسافتياك (*5 عمان عاصمة الأردن ص 52 )

عمان ١٩٢٠
عمان ١٩٢٠

برع الشراكسة في الصياغة ، فصنعوا السيوف والخناجر ( القامات ) وفضضوها ، كما برعوا في صناعة الحلي : اساور وخواتم وقلائد فضة مطعمة بالعاج والعقيق ، من أشهر الصاغة من الشراكسة : محمد اسماعيل وأمين اسماعيل من القبردي ، وصالح العقيلي من العرب
صناعة العربات لأغراض تجارية ، وكان أول المشتغلين في هذه الصناعة في عمان الصانع الشركسي : عليم حداد الذي أقام محله في شارع الملك طلال قرب الجامع الحسني ، واشتهر معه صانع شركسي آخر هو تمرغان – الذي كان يعمل في محله في المهاجرين .
تطورت العربة الشركسية ، وظهر نموذجان منها: العربات المكشوفة : تستعمل بشكل أساسي لأغراض العائلة ، طولها ما بين مترين الي ثلاثة أمتار فيها مقعد للسائق ومتسع خلفه ، العربة المظللة : وهي قسمين : الأمامي مخصص للسائق والخلفي مخصص للركاب ، من الملاحظ أن صناع العربات كانوا يقومون بمختلف أنواع الحدادة .* ملامح الحياة الشعبية
وهكذا بدأت عمّان تتحوّل إلى بلدة آمنة واعدة فبدأت جماعات من أهل الشام وفلسطين تفد إليها وتستقرّ فيها ، وفرضت ظروف الحرب العالمية الأولى نفسها على البلدة وبدأ الشراكسة يتطلعون إلى الغد ، وفي قلوبهم هاجس واحد ألا تتحكّم بهم قوى أوروبية مسيحية ، فلا تزال أرواحهم تتألّم من صور المعاناة التي عانوها من الهجمة المسيحية على بلادهم ، فكانوا من أوائل من رحبّوا بالهاشميين ، وكانوا أعضاء ضمن الوفد الذي استقبل الأمير عبد الله ، واستقبلوه في ديارهم وأعانوه على إنشاء الدولة الهاشمية : إمارة شرق الأردن .



اضف تعليقا