كلام في الصميم – حسين عمر توقه

تاريخ النشر على الموقع 31/05/2013

كلام في الصميم
بقلم
الدكتور حسين عمر توقه
باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي

لقد تعرض الدكتور عبد الله النسور إلى هجمة شرسة من قبل بعض المحطات الفضائية ومن قبل عدد كبير من النواب ليس بصفته الشخصية وإنما بصفته رئيس الحكومة الأردنية الجديدة وسوف تشهد الساحة الأردنية الكثير من الهجمات حتى تصل هذه الهجمة ذروتها تحت قبة البرلمان حين يتم التصويت على منح الثقة أو عدمها إلى الحكومة الجديدة حيث ينص الدستور على قيام الحكومة الجديدة بتقديم بيانها الحكومي للحصول على الثقة خلال فترة شهر من صدور الإرادة الملكية السامية بتشكيل الحكومة

لقد أخطأ من قام بإجراء التعديل الدستوري وأخطأ من وضع قانون الإنتخاب الجديد لأن قانون الصوت الواحد مرفوض وغير مقبول من قبل غالبية الشعب وهو مثار للإختلاف بين كافة أطياف الشعب .

إن إنقضاء أربعة أسابيع لقبول استقالة الحكومة وانقضاء أكثر من ثلاثة أسابيع تحت ستار التشاور في إنتقاء أعضاء الحكومة هو مضيعة للوقت وللجهد لا سيما في ظل الأوضاع الراهنة والخطيرة التي يمر بها الأردن ودول الجوار العربي

الكل يعلم أن السلطات الثلاث السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القانونية هي سلطات مستقلة . وأن السلطة التشريعية في خوضها العملية التشاورية وقبولها برفع توصياتها حول شخص رئيس الوزراء وانتقاء المرشح من قائمة الأسماء ورفع توصياتهم إلى رئيس الديوان الملكي هو خرق وتحايل واعتداء على صلاحيات جلالة الملك من ناحيتين الناحية الأولى أن السلطة التشريعية ترتبط ارتباطا مباشراً مع جلالة الملك ويجب أن ترفع توصياتها إلى جلالة وليس إلى رئيس الديوان الملكي حيث أن سلطتها تبرأ بها أن تكون خاضعة أو تابعة لرئيس الديوان الملكي . كما أن قيام النواب في المشاركة بالعملية التشاورية في انتخاب شخص رئيس الوزراء تمثل خرقا وتجاوزا على صلاحيا الملك حسب المادة 35 والتي تنص على أن ( الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله ويقبل استقالته ويعين الوزراء ويقيلهم ويقبل استقالتهم بناء على تنسيب رئيس الوزراء )
وإن أي تعديل في صلاحيات الملك يتطلب تعديلا في الدستور وهذه العملية لا بد وأن تمر في مراحل دستورية وقانونية نص عليها الدستور .

إن إعلان رئيس الوزراء أن حكومته حكومة برلمانية هو مجافاة للواقع لأن الحكومة البرلمانية تعني انتخابات نيابية تفوز بها الأحزاب السياسية وتعمد الأغلبية الفائزة من هذه الأحزاب في انتخاب رئيس وأعضاء الحكومة وتشكيلها وإن الإدعاء بأن رئيس الوزراء قد قام بأخذ رأي واستشارة الكتل البرلمانية في إختيار الوزراء هو تحايل وتلاعب بالألفاظ
كما أن كل الشعب كان ينتظر حسب توجيهات جلالة الملك أن تأتي الحكومة لتستمر لمدة أربع سنوات ولكن تصريحات رئيس الوزراء بأنه سيعمل على إدخال نواب في الحكومة الجديدة خلال ثلاثة أشهر هو استهتار بكرامة الشعب وبكرامة النواب وإهانة إلى ذكاء النواب لأنهم يعلمون أن خطاب الثقة لا بد وأن يقدم إلى مجلس الأمة خلال مدة لا تتجاوز الشهر .
وإنني أتساءل عن منصب نائب رئيس الوزراء هل هو تقليد متبع أم أنه متروك لقرار شخصي من قبل رئيس الوزراء وحسب أهوائه . والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي المقومات والأسس التي يتم بناء عليها اختيار الوزراء لا سيما الوزارات السيادية ثم ما هو الدافع لدمج أكثر من وزارة رئيسة تحت مظلة وزير واحد هل الهدف منه أن نعلن أن أعضاء الحكومة هم الأقل منذ عام 1972 والخروج بمصطلح الحكومة الرشيقة وهو أقرب إلى وصف راقصات يرقصن على الأرض لا وزراء يرقصون على الحبال . أم أن الهدف هو تحقيق المصلحة العليا للوطن والمواطن وتنفيذ مهام وواجبات الوزارات المختلفة خير قيام . ثم هل يحق لرئيس الوزراء أن ينسف التركيبة الجغرافية والمحاصصة الإجتماعية والدينية والقبلية فيتخلى عن روح القانون المتبع والمتفق عليه منذ عقود فيأتينا بتركيبة منقوصة لا تمثل كل أطياف المجتمع .
إن تسريب بعض الأنباء عن قرب إعلان المنطقة الشمالية بأنه منكوبة هو نتيجة اخطاء متراكمة منذ بدء النزوح السوري إلى الأردن وضعف في الرؤيا وضعف في التخطيط وضعف في تقدير النتائج . كان من الأفضل قيام الحكومة الأردنية بتشكيل لجنة عليا برئاسة وزير الداخلية أو أمين عام وزارة الداخلية وعضوية ممثلين عن كل من وزارة الصحة ووزارة التنمية الإجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الخارجية ووزارة التخطيط ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة النقل والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية للتنسيق المباشر مع المفوضية العليا للأمم المتحدة وصندوق الأمم المتحدة للطفولة ومع كافة المنظمات والهيئات الخيرية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وأطباء بلا حدود بدل تحويل الملف إلى الهيئة الخيرية الهاشمية .
كنت أظن أن الجهاز المسؤول عن إدارة الأزمات قد وضع مسبقا الخطط للتعامل مع السيناريوهات الناجمة عن هذا الزخم الهائل من اللاجئين السوريين . إن قضية اللاجئين السوريين هي في مصطلح الإستراتيجية أكبر بكثير من إصطلاح ( أزمة ) فأين هو المجلس الخاص بإدارة الأزمات وهل هو رهين جدران عالية أم أنه قد انتهى منذ أمد بعيد . لا سيما ونحن نمر في مجموعة من الأزمات أزمة اقتصادية وأزمة طاقة وأزمة فساد وأزمة فقر وجوع وفقدان البوصلة .
كنت أظن أن الجهاز المسؤول عن الأمن القومي في الأردن هذا إن وجد مجلس الأمن القومي قد أعد الخطط الإستراتيجية وحدد الأهداف الوطنية ووضع الإستراتيجيات العليا للتعامل مع الأخطار والسيناريوهات الناجمة عن الأحداث الجارية فوق الساحة السورية والساحة العربية وبالذات ما يدور في العراق وفي الخليج العربي وما دار في تونس ومصر وليبيا والسودان واليمن وما يدور في الضفة الغربية وفي قطاع غزة . ومن صراع دائر بين الدول العظمى من أجل السيطرة وفرض النفوذ على منابع النفط والغاز ومحاولة تفتيت وتقسيم العالم الإسلامي وإيقاع الفتنة بين المسلم السني والمسلم الشيعي . كنت أظن أن لدينا الإستراتيجية القومية الواضحة لا سيما وأن ما يدور الآن في سوريا بعد عامين من الحرب الأهلية سوف يكون له انعكاسات خطيرة من النواحي السياسية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية على كافة المستويات الدولية والإقليمية والوطنية وبالذات على الأمن القومي الأردني . ولا أريد هنا أن استخدم مصطلح الأمن الوطني لأن أمن الأردن هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
لقد جاءت نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة مخيبة لآمال الأحزاب السياسية وتطلعاتها في لعب دور سياسي مميز على ساحة الوطن . حيث وقعت الأحزاب في خطأ قاتل حين ظنت أن كلمة ( القائمة ) الواردة في قانون الإنتخاب الجديد تعني القائمة الخاصة بالأحزاب السياسية ولم يخطر ببال القائمين على هذه الأحزاب أنه يحق لكل شخص تشكيل قائمة مستقلة خالية من أي شروط مسبقة وغير مسجلة في وزارة الداخلية. حيت تم تشكيل 61 كتلة تنافست جميعها مع الأحزاب السياسية للحصول على مقاعد قائمة الوطن. وهي خطوة أدت إلى خسارة الأحزاب السياسية خسارة فادحة وأفرغها من معاييرها وأهدافها ومضامينها ولا نعلم من هو المسؤول الخفي عن هذه الفقرة في القانون والتي لم يتنبه لها جهابذة الأحزاب السياسية فالقائمة الوطنية هي أشبه ما تكون بالدوائر الوهمية في الإنتخابات السابقة ولكنها تحت مسمى آخر.
إن رفع عدد مقاعد النواب من 120 مقعداً إلى 150 مقعدا هي زيادة غير مبررة وأقرب ما تكون إلى رشوة الشعب وكان من الأفضل أن يتم تخفيض مقاعد النواب إلى الحد الأدنى بحيث لا تزيد المقاعد عن 60 مقعداً وحسب النسبة والتناسب فإن كل نائب يمثل 100 ألف مواطن وإن الحالة الإقتصادية والمنطق الإداري ينطقان بأن إدارة 60 نائب أفضل بكثير من إدارة 150 نائب كما أن التكلفة المالية الباهظة التي يتحملها الشعب ل 60 نائب هي أوفر بكثير من التكلفة المالية ل 150 نائب وملحقاتهم .
وهذا الحال ينطبق أيضا على مجلس الأعيان حيث تنص المادة 63 ( يتألف مجلس الأعيان بما فيه الرئيس من عدد لا يتجاوز نصف عدد مجلس النواب ) أي أن عدد مجلس الأعيان سوف يرتفع أيضا إلى 75 عين علما بأن هذا النص لم يحدد العدد الأدنى لمجلس الأعيان لأن العدد القانوني لمجلس الأعيان في هذا النص غير واضح.
كما كان من الأجدر أن يتم تعديل نص المادة 64 من حيث الشروط المنصوص عليها والتي يجب أن تتوفر لدى عضو مجلس الأعيان وبالذات الفقرة التي تنص ( ومن ماثل هؤلاء من الشخصيات الحائزين على ثقة الشعب واعتماده بأعمالهم وخدماتهم للأمة والوطن ) حيث تم إساءة استخدام هذا الشرط وتم من خلاله نسف كل الشروط السابقة وتجاوزها حيث شهدنا في الآونة الأخيرة تعيين ذوات في مجلس الأعيان لم نسمع بأسمائهم من قبل كما سمح هذا الشرط بتوريث مقاعد العينية إلى أبناء وبنات أعيان سابقين من أجل إفادتهم ماديا ومعنويا .



اضف تعليقا