مدخل الشراكسه والسياسه بدايات تاسيس الدوله – جميل اسحاقات

تاريخ النشر على الموقع 03/06/2013

كانت الممارسة السياسية الأولى للشراكسة في الأردن عندما وصلت القوات النيوزيلندية – البريطانية وادي السير في العام 1916م عائدة من عمّان في طريقها إلى مناطق الأغوار ، فقد رأى عدد من شباب وادي السير الشراكسة في هذه القوّات قوّات غازية للديار الإسلامية ، غايتها محاربة الإسلام والمسلمين ، فتنادوا لحربها تحت شعار : من ولدته أمّه مسلما حرّا فليحمل السلاح للدفاع عن ديار الإسلام ومحاربة القوّات الباغية الغازية للديار الإسلامية . تجمّع عدد من الشباب بأسلحتهم البسيطة : مجموعة بسيطة من البنادق وعدد قليل من الذخيرة وتصدّوا للقوات البريطانية وقتلوا عددا منهم ، واستشهد مجموعة من شباب شراكسة وادي السير هم :

عمر قويا – إدريس الحاج طاس – نجيب ابراهيم ابزاخ – حميد الحاج علي – رمضان اسحاقات – ابراهيم قويش – نقاراقوه صالح ( من ناعور ) – و اثنين من الإخوة العرب هما : حسين الأمين بطة وشخص سلطي من دار غليون كان يعمل حجّارا .

أمّا الممارسة الثانية للسياسة فكانت مشاركتهم الفاعلة في القتال ضدّ الفرنسيين ، فقد شاركوا في المعارك الثلاث عشر التي التقت فيها قوّات الأمير فيصل والمتطوعين العرب مع الفرنسيين قبل وبعد معركة ميسلون ، وكانت المشاركة الكبرى في معركة ميسلون ، فقد قاد سعيد المفتي حوالي ألف من المتطوعين الذين تنادوا في عمّان لمحاربة الفرنسيين ، وسار بهم لنجدة قوات الأمير فيصل وشاركوا معهم في معركة ميسلون .

رجع إثر الهزيمة في ميسلون عدد من المتطوعين بالإضافة إلى عدد من القوّات التي حاربت الفرنسيين مع الأمير فيصل ، وبدأت المساعي لتشكيل حكومة السلط في أب 1920 كان للشراكسة في هذه الحكومة وانتخابها دور كبير ، فقد انتخب سعيد المفتي ( شركسي ) وسيدو الكردي ، وشمس الدين سامي ( شركسي ) عن عمّان .

وفي اواخر شهر ايلول عام 1920، دعا سعيد المفتي ( شركسي ) الى اجتماع في دار بلدية عمان بالتنسيق مع السيد سعيد خير (رئيس بلدية عمان) ، وحضر الاجتماع الشيخ مثقال الفايز ، وشمس الدين سامي ( شركسي ) وسيدو علي الكردي، والمجاهدين أحمد مريود المهيدات ونبيه العظمة ، وجرى الاتفاق على مكاتبة الشريف الحسين بن علي بطلب المساعدة لإنهاء حالة الفراغ السياسي ، والوقوف بوجه الاطماع الفرنسية، وكشف مخطط التعاون البريطاني مع الاحتلال الفرنسي ، وفي اليوم التالي وبحضور غالب الشعلان ، وفؤاد سليم تمّ الاتفاق على مخاطبة الشريف برقيا لإرسال احد ابنائه كي يتزعم حركة المقاومة وطرد الاحتلال الفرنسي من سورية ، ولإعادة العرش الفيصلي والمحافظة على وحدة البلاد السورية .

وكان الشراكسة (سعيد المفتي وسعيد اسحاقات ) ضمن الوفد الذي ذهب إلى معان لاستقبال سمو الأمير عبد الله رغم تهديدات الكابتن برانتون ، وفي معان أجرى سمو الأمير مباحثات مع الوفد وتعرّف منهم على مختلف جوانب الوضع ، وبعد ان انعم النظر وقلّب الأمر على وجوهه ، اتخذ قراره بالتوجه الى عمان. وكان قرارا بالغ الاهمية لما نشأ عنه من تطورات ادّت في نهاية الامر الى تأسيس الامارة الأردنية. وكان منزل سعيد المفتي المحطة الثانية لضيافةالأمير في عمان ، بعد منزل الزعيم الوطني سعيد خير.

بعد مفاوضات مع الانكليز في القدس ، خلال شهر آذار 1921، عاد الامير الى عمان يوم 30 آذار، وأخذ يعمل على انشاء ادارة مركزية واحدة لمناطق شرقي الأردن. وفي 11 نيسان 1921م ، تألفت الوزارة الأولى في تاريخ الأردن ، برئاسة المناضل رشيد طليع ، وكان علي خلقي الشرايري الوزير الأردني الوحيد فيها.
كان الشراكسة من العناصر الأساسية في بناء الدولة فقد عملوا في مختلف الميادين كما شاركوا في تأسيس العديد من الأحزاب بمختلف اتجاهاتها التي تكوّنت في الأردن ، و كان عدد كبير منهم أعضاء في هذه الأحزاب التي كانت تطالب بتحسين أداء الحكومات وتعمل على مناهضة المستعمر الانجليزي مثل :
حزب أحرار الأردن 1927
حزب الشعب الأردني 1927
حزب اللجنة التنفيذية 1929
الحزب الحرّ المعتدل 1930
جمعية مساعدة العمال الأردنية 1932
حزب التضامن الاجتماعي 1933
حزب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب الأردني العام 1933

كان الشراكسة مثلهم مثل بقية مكوّنات المجتمع في الدولة الأردنية الحديثة مشغولين بالعمل الجاد لبناء الدولة غايتهم وهدفهم و مبتغاهم إقامة دولة حديثة قويّة ، فانخرط عدد كبر منهم في العمل في مكوّنات الدولة : الدوائر الحكومية المختلفة والوزارات وقد ساعدهم على ذلك انتشار التعليم بين أبناء المجتمع الشركسي ، كما اندفع عدد كبير منهم للعمل في الجيش العربي وفي قوّات الأمن ، و عمل عدد منهم في السياسة فظهر منهم ساسة كبار وضعوا بصماتهم على التاريخ الأردني معارضين حينا ومؤيدين حينا آخر حسب مجريات الأمور ، فقد حمل عدد منهم مهمة مناهضة السيطرة الإنجليزية ومنهم الأستاذ المحامي سامي شمس الدين أوّل الحاصلين على شهادة الحقوق في الأردن فتصدّى للإنجليز وللمعاهدة البريطانية عام 1928 وسجن أكثر من مرّة ونفي مع مصطفى وهبي التل وعوده القسوس للحجاز ،

كان من المجالات التي نشط فيها الشراكسة الوقوف في وجه محاولات الوكالة اليهودية اختراق شرق الأردن على أصعدة مختلفة منها شراء الأراضي بواسطة مجموعة قليلة من سماسرة الأراضي ، ولعلّ التأثير الأكبر للشراكسة كان في الوقوف ضد الوكالة اليهودية حين حاولت اختراق الحياة السياسية وخاصة الأحزاب الأردنية ، وقد كانت المحاولة اليهودية الأولى محاولة اختراق الحزب الحرّ المعتدل الذي أسس في 24 تموز 1930 حين حاولت إدخال احد الذين تحوم حولهم الشبهات ( محمد الأنسي ) في التعامل مع الوكالة اليهودية ليكون أحد مؤسسي الحزب ، فتصدى سعيد المفتي حبجوقه له وأعلن في 25 تموز ، أي اليوم التالي لإعلان تأسيس الحزب انسحابه من الحزب مُشكـِّكاً بأهداف الحزب ومبدياً خشيته من أن تكون الغاية من تأسيس الحزب محاربة الاحزاب الوطنية بما يخدم أهداف المستعمرين الإنجليز للأردن آنذاك ، وبما يخدم الأطماع الصهيونية التي كان الوزير الأنسي متّهماً بإقامة علاقات مع قيادتها المعروفة باسم الوكالة اليهودية ، ولم تلبث أن توالت الانسحابات في نفس اليوم الذي أعلن فيه المفتي انسحابه حيث قدّم : الشيخ رفيفان المجالي والشيخ هاشم خير والشيخ محمد الحسين العواملة والأستاذ نظمي عبد الهادي استقالاتهم من الحزب الحرّ المعتدل فانفرط عقد الحزب ولمَّـا يُـكمل اليومين من العمر .

حارب النوّاب الشراكسة المشاريع الصهيونية مثل مشروع روتنبيرغ الذي تصدّى له شمس الدين سامي وبيّن تأثيراته السلبية وقال في خطاب برلماني له ( يجب أن تعلم الأمّة أنّ سبب خراب البلاد وسقوطنا إلى هذه الدرجة التي وصلنا إليها نشأت عن تقاعسها عن حقوقها والرضا بتسليم شؤونها ومقّدرات بلادها إلى أشخاص لا ناقة لهم في البلاد ولا جمل ) كما نبّه إلى طموح الصهيونية في توسيع رقعة الوطن القومي الذي ينوون إقامته للشعب اليهودي .
وكان للشراكسة دور أساسي في المؤتمر الوطني الأردني الأوّل 25/7/ 1928 الذي أكّد على استقلال الأردن وعدم الاعتراف بوعد بلفور ، وقد تألفت لجنة تنفيذية كان من بين أعضائها عن عمّان هاشم خير وسعيد المفتي وطاهر الجقة وشمس الدين سامي وشاهر الحديد وطارق سلمان

امّا القضيّة الفلسطينية فقد استأثرت باهتمام الشراكسة واعتبروها قضيّة إسلامية وهجمة للصهيونية العالمية على المقدسات الإسلامية غايتها الإساءة للدين الإسلامي وللمسلمين على السواء وأن الجهاد في فلسطين فرض على المسلمين فتطوّعوا مع المجاهدين وقاتلوا في صفوفهم كما هرّبوا الأسلحة لهم ، وجمعوا التبرعات للمجاهدين والتحقوا بالقوات العربية التي دخلت فلسطين لنصرة الفلسطينيين واستشهد العديد من الشراكسة على الثرى الفلسطيني ومنهم عل سبيل المثال لا الحصر
: عبد القادر صالح أباظه
أسعد سليم مصطفى قواي
إبراهيم غازي صفر قبرطاي
إبراهيم أحمد زوقش


محمود سعد عبيدات رجــال فــي ذاكـــرة الوطـــن : ســعـيــد المـفـتـي 19/5/ 2011
جامعة الشرق الاوسط للدراسات العليا
الأوائل في تاريخ الأردن
مجلة الإخاء عدد حزيران 1984



اضف تعليقا