المعارك الشركسية – 1 – قينجال زاوه – وليد هاكوز

تاريخ النشر على الموقع 02/06/2014

المعارك الشركسية – 1
قينجال زاوة
Къинжал Зауэ
17 أيلول – سبتمير 1708

Capture2

في القرن السادس عشر عانت بلاد القبردي في شرق شيركيسيا من غارات التتار القادمة من شبه جزيرة القرم ، كما عانى الروس أيضا من غزوات التتار المتكررة . ففي خلال غزوهم للروس في العام 1521 تمكن جيش خان القرم من هزيمة الجيش الروسي وحرق مدينة موسكو ، وقتل الكثير من الناس وأسر أكثر من 60,000 شخص . وأدى ذلك لقيام تحالف روسي مع أمراء القبردي في حربهم ضد خان القرم ، حين شاركت قوات من فرسان القبردي في عام 1552 مع القوات الروسية في إحتلال مدينة قازان عاصمة الآسترخان .

ثم قاد الشركس في عام 1556 سلسلة من العمليات العسكرية الجريئة وتمكنوا من إحتلال المواقع العثمانية والتتارية العسكرية في أقصى الغرب لشيركيسيا ØŒ وأقام كبير أمراء القبردي الأمير تيمروقة إيدار (Temruka Idar – Темрукъэ Идар) قلعة عسكرية سميت بقلعة تيمروك (Temruk – Темркъу) في شبه جزيرة تامان ØŒ كما أسهم إلى حد كبير في مساعدة الروس لهزيمة خان القرم في نفس العام . وفي عام 1561 عقد الإمبراطور الروسي إيفان الرهيب تحالفا جديدا مع الأمير تيمروقة ØŒ تزوج على أثره من إبنته الأميرة قوشني (Къуэшэней) لتصبح الأمبراطورة ماريا .
ثم قامت حملة التتار الثانية على الروس في العام 1571 ، حيث تمكن جيش خان القرم من هزيمة الجيش الروسي مرة أخرى ، وقام بإحراق مدينة موسكو للمرة الثانية أيضا ، وقتل الكثير من سكانها ، كما أسر أكثر من 40،000 شخص ، مما إضطر الأمير تيمروقة إيدار للتحالف مع خان أستراخان القالمق ، وزوجه من إبنته الأميرة ألتيتشيتش (Алтычэч) ، ليتقي حملة الجيش العثماني ، والتي تمكنت الدولة العثمانية من خلالها بإستعادة نفوذها في منطقة القفقاس كليا ، وطرد الروس لأكثر من قرن من الزمان .

في 3 تموز – يوليو عام 1700 تم توقيع معاهدة القسطنطينية للسلام بين روسيا وتركيا ØŒ حيث تم الإعتراف لروسيا بحيازتها لمنطقة رأس خليج آزوف ØŒ وسمح لها ببناء قلاع روسية مثل : تاغانروج (Taganrog) ØŒ بافلوفسك (Pavlovsk) ØŒ Ùˆ ميوس (Mios) ØŒ وتم إعفائها من دفع الجزية السنوية التي كانت تدفعها لخانية القرم . ووفقا للمادة السابعة من تلك المعاهدة ØŒ فقد تبادلت تركيا العثمانية معها بالمقابل بجزء من حصونها في منطقة حوض نهر الدنيبر ØŒ وفرضت نفوذها للمناطق الواقعة في سهوب شيركيسيا الشمالية (بشيزة) ØŒ وسمحت لقبائل النغوي والتتار بالإستيطان فيها . كما تضمت المعاهدة أيضا إعتراف روسيا بإستقلال القبردي ØŒ وفرضت على الشركس بدفع الجزية لخانية القرم والدولة العثمانية .

إلا أن فترة الإستقرار تلك لم تدم طويلا ØŒ فقد إستغل خان القرم قابلان جيري الأول (Kaplan I Geriy) معاهدة القسطنطينية للسلام ØŒ بحيث ضمن وقوف روسيا على الحياد بعدم مساعدة أمراء القبردي بناء على تلك المعاهدة ØŒ وبذلك يحقق فوزا سهلا بغزوه لبلاد القبردي . وجهز جيشا ضخما بلغ تعداده نحو 50,000 رجلا ØŒ وسار في 2 آب – أغسطس 1708 بحملة عسكرية بإتجاه بلاد القبردي في شرق شيركيسيا ØŒ حيث تمركزت قواته في السهول الواقعة بين نهري مالكا وبخسان ØŒ واقام مركز قيادته على نهر قينجال عند سفح الجبل في 29 آب – أغسطس 1708 .
أعلن النفير العام في كافة أنحاء القبردي ØŒ وأمر كبير أمراء القبردي حينئذ الأمير كورغوقة حتوشوقين (Kurgoko – Кургъукъуэ Хьатlошыкъун Atazhukin) للتصدي ضد عدوان التتار السافر، وجهز قوات شركسية بلغ عددها بنحو 7,000 فارس من خيرة فرسان القبردي والبيسلاني ØŒ لتتمركز هذه القوات الشركسية على مرتفعات جبل قينجال في بداية شهر أيلول – سبتمبر . أرسل الشركس وفدا إلى معسكر التتار للتفاوض من أجل السلام ØŒ إلا أن التتار أصابهم الغرور وطالبوا بدفع الجزية إضافة لثلاثة الآف رجل كعبيد لهم .

تقدم الأمير جباغ كازانوقوة (Jabagh Kazanoko – Къазэнокъуэ Джабагъ) بخطة سرعان ما تمت الموافقة عليها ØŒ وأرسلوا لخان التتار 30 فارسا بدعوى لجوئهم إليه . ولشهرة الفرسان الشركس في المعارك ØŒ وافق الخان لإستيعابهم في مركز قيادته . كما أرسلوا أثناء ذلك ØŒ قوة أخرى بقيادة الفارس تترخان بيكمورزة (Татаkhan Bekmurza – Тэтэрхъан Бекмурза) حيث أخذوا مواقعهم على قمة جبل قينجال إستعدادا للهجوم عند ساعة الصفر . وفي ليلة 17 أيلول – سبتمبر 1708 وقعت معركة قينجال ØŒ حيث قام الشركس برمي الصخور والحجارة من على قمتها بإتجاه الوادي ØŒ مما أسهم بتفريق جيش التتار ØŒ وأثناء ذلك تمكن الفرسان الشراكسة والذين كانوا قد لجأوا للتتار حسب الخطة ØŒ بقتل كبار قادة جيش التتار ØŒ وهكذا تم سحق جيش التتار في تلك الليلة ØŒ وفر خان القرم قابلان جيري إلى بلاده في شبه جزيرة القرم بعد أن ترك شقيقه وأبنه قتيلين في المعركة ØŒ وخسارة أكثر من 11,000 قتيل .

لا توجد معلومات مفصلة بالسجلات التاريخية فيما يتعلق بمعركة قينجال زاوة ، حيث أن معظمها قد فقدت جراء الحملات العسكرية الروسية في الحرب الشركسية الروسية التي تلت ذلك . وتشير بعض التقارير والمعلومات التاريخية حول الأحداث الرئيسية للمعركة من قبل بعض الكتاب والمؤرخين الأجانب من القرن الثامن عشر فقط . ففي عام 1711 زار القفقاس الفرنسي أبري دي لا موتري (Abri de la Motre) ، الذي كان مستشارا للملك السويدي كارل الثاني عشر ، وربما يكون أول من قدم وصفا تفصيليا للمعركة . فقد وصف أسفاره في مجلدين نشرتا في لندن عام 1724 باللغة الإنجليزية ، وعام 1727 تم إعادة إصدارهما في لاهاي بالفرنسية . ووفقا لسجلاته فقد وصف وقائع وجيزة من الأحداث على النحو التالي :

“كان الشراكسة يدفعون جزية سنوية إلى السلطان العثماني ØŒ لتأمينهم من غارات التتار، ولكن السلطان لم يلتزم في إحدى المرات حين قام خان التتار بالتوغل في شركيسيا ØŒ وتم نهب وسلب كل ما أمكنه من الحصول عليه . عقد الشركس العزم على وقف هذه العمليات ØŒ ورفضوا دفع الجزية السنوية ØŒ مما حدا بالسلطان العثماني بالطلب من خان التتار لإرسال جيش ضخم يبلغ تعداده 100 ألف رجل . تصدى الشراكسة لجيش لمدة ثمانية عشر يوما ØŒ وفي ليلة اليوم التاسع عشر هاجم الشركس مخيم جيش التتار من جميع الجهات ØŒ وتم قتل أعداد ضخمة من قواته . فر خان القلرم على أثره ØŒ وترك شقيقه وإبنه وكثير من جنده قتلى على أرض المعركة ” .

أما الرحالة الألماني إنغلبرت كايمبفير (Engelbert Kaempfer) ، فقد كتب في عام 1711 :
“في نهاية 1708 طالب خان التتار من جيرانه الشركس دفع الجزية السنوية ØŒ وعندما تم رفض ذلك ØŒ ذهب إليهم بجيش عظيم . فكر الأمراء الشركس بخطة ماكرة وإتفق مع 30 جنديا من الشباب الفرسان الأقوياء باللجوء إلى خان التتار خان والقيام في يوم معين من قتل الضباط الأكثر تميزا في جيش التتار . وعندها ØŒ وفي الوقت نفسه ØŒ يهاجم الشركس عدوهم التتار ØŒ ومن خلال هذا الخطة العسكرية فقد فاز الشركس فوزا عظيما ØŒ وهرب خان التتار خان بصعوبة بالغة ØŒ وترك جيشه ليلقى مصيره المحتوم “.

كما أشار القنصل الفرنسي جافيير قالفان (Javier Galvan) في مدينة باخشيسار (Bakhshisar) في شبه جزيرة القرم ØŒ في كتابه بعنوان “وصف شركيسيا” في 20 يناير 1724 :

“أراد خان القرم أن يجبر محافظة القبردي (Kabarta) ØŒ وأهم من ذلك كله بأن يعطيه أكثر من العبيد الذي كان متفقا عليه سابقا ØŒ فحمل الناس السلاح ØŒ وكانت هناك معركة دامية . تم هزيمة التتار، ووتمكن الخان بالكاد من الفرار وفقدوا حتى أحذيتهم ØŒ وقد خسر التتار في المعركة بأكثر من 5ØŒ000 من التتار، بما في ذلك العديد من النبلاء أو العامة ” .

كما ذكر الرحالة جيربر يوهان غوستاف (Gerber Johan Gustaf) في عام 1728 ، الذي كان قد أعد خارطة للقفقاس تتضمن وصفا للشعوب التي تقطن فيه ، وقدمها هدية لقيصر روسيا ، فيصفها قائلا :

” إن الشركس في كلا الجزأين هم شعب واحد ØŒ ووكانوا على الدوام أحرارا منذ العصور القديمة حتى الوقت الحاضر ØŒ على الرغم من أنها في معظم الأوقات كان لديها ميل كبير إلى روسيا ØŒ فالعديد من أمرائهم ورجالهم يرون أنفسهم موالون لها ØŒ ولكنهم كانوا خاضعين لها إسميا فقط ØŒ وكانت لهم حريتهم المطلقة . لقد كانوا طوال القرن يرسلون لخان القرم هدية سنوية كعربون إخلاص ومودة ØŒ مثل : الخيول الجيدة والدروع والسيوف كهدية ثمينة . وكان يذهب من شبه جزيرة القرم إلى بلاد القبردي كل عام عدد من المندوبين المفوضين لإستلام الهدايا والعطايا المتفق عليها منذ زمن ØŒ وإختيار أفضل شيئ هناك . كما كان لهم الحق أيضا بالحصول على الزوجات والجواري أيضا . ولكنه ØŒ وبعد 20 عاما قرر الشراكسة فك هذه العلاقة التبعية . ففي ذلك العام تم قتل مندوب القرم المرسل لهم ØŒ مما دفع بخان القرم بإرسال جيش كبير ضد الشركس ØŒ بلغ تعداده نحو 30,000 جندي ØŒ وأقاموا معسكرهم في وادي قينجال ” .

ويضيف : ” وفي المقابل ØŒ أرسل الشراكسة عدد من فرسانهم متظاهرين بطلب اللجوء إليهم ØŒ فقام التتار بالإحتفاظ بهم فورا ØŒ ولكنهم تمكنوا من خداع قيادة الجيش التتاري ØŒ وقتلوا عدد من قادتهم تزامنا مع نفس وقت الهجوم المباغت المتف عليه من جميع الجهات ØŒ وتمكنوا من قتل عدد كبير من جيش القرم ØŒ وإنهزم على أثرها التتار من بلاد الشركس ØŒ الذين ينعمون بمطلق الحرية منذ ذلك الوقت ” .

إضافة لذلك ØŒ فقد كتب في القرن الثامن عشر عدد من الكتاب العثمانيين مثل سعيد رضا (Sa’id Riza) ومحمد فوندوكول (Mehmet Fundukl) ØŒ والمؤرخ الروسي سوكوروف V.N. Sokurov) ) ØŒ وحاكم مولدوفيا الشهير كانتيمير (D.K. Cantemir) ØŒ وغيرهم ØŒ ولكنه كانت جميعها تتباعد أحيانا في التفاصيل .

لقد كانت معركة قوية تمكن الشركس من الدفاع عن بلادهم ØŒ وتم إيقاف الشهية المفرطة لخانات القرم بإخضاع شيركيسيا ØŒ وتم إنقاذ بلاد القبردي والحفاظ على إستقلالها . وفي 25 أيلول – سبتمبر 2008 أقيم إحتفال خاص في بلاد القبردي للذكرى الثلاثمئة (300) لإنتصارالفرسان الشركس على جيش التتار في معركة قينجال زاوة ØŒ وأزيح الستار عن لوحة تذكارية ترمز للمعركة في المعرض الذي أعده الفنان الشركسي محي الدين كيشيف (Mukhadin Kishev) في مدينة نالتشيك .

وليد هاكوز
17 / 11 / 2013
وادي السير

Reference:
1. A. de La Motraye’s Travels through Europe Asia and into parts of Africa. London, UK – 1724.
2. Boris Mal’bakhov. Kabarda in the political history of the stages: (mid XVI- XIX) centuries. Michigan, USA – 2002.
3. V. N. Sokurov. Kanzhalskaya battle, and its reflection in the folklore of Kabardians. Nalchik, Kabardino-Balkaria – 1986.

http://www.circassiannews.com/?p=10132



اضف تعليقا